اجمل ما في الثورات العربية انها جعلت اسرائيل في حالة هذيان.
في البدء فوجئ الاسرائيليون بحركة الشارع العربي. ظنوا انها مجرد لحظة عابرة من تاريخ جمهور اتسم بالخنوع، والجبن، والتخلف. ثم اعتقدوا أنها مجرد مقدمة لتغيير الوجوه لا الانظمة، اقرب ما تكون الى الانقلابات العسكرية او مؤامرات القصر التي سبق أن شهد العرب الكثير منها.. قبل ان يسلموا بان تلك الثورات أهم مما كانوا يعتقدون وأبعد أثراً مما كانوا يتوقعون.
من المفاجأة الى التشكيك الى التسليم بالأمر الواقع، قطع الإسرائيليون شوطاً بعيداً في مراقبة ما يجري حولهم قبل ان يتوصلوا الى التعبير الصريح عن الخوف من تلك الثورات العربية التي ستؤدي حسب تقديرهم الى إقامة امبراطورية إسلامية تحيط بدولة إسرائيل وترمي يهودها في البحر.. وهو موقف لا تشذّ عنه سوى أقلية إسرائيلية في اوساط النخبة الثقافية والإعلامية، ترى ان العرب يغادرون للمرة الاولى تاريخهم البائس ويكتشفون أنفسهم ويستعدون لبناء مجتمعاتهم ودولهم على الاسس التي ضاعت منهم بعد حقبة الاستعمار الاوروبي، وهو ما يستدعي من إسرائيل احترام هذه الإرادة العربية والاستعداد للتعامل معها بما تستحقه من تقدير.الخوف الإسرائيلي طبيعي، وهو إحساس موجود في مختلف بلدان الغرب التي فوجئت هي الأخرى بالثورات العربية، لكنها سرعان ما قررت التكيف معها، وتركت الاسرائيليين وحيدين في حصونهم المغلقة، يعيشون هواجسهم القديمة الخاصة حول التهديد الذي يمثله الشارع العربي لوجود دولة إسرائيل، التي ظلت طوال العقود الستة الماضية على تأسيسها تعتمد على ضعف الدول المحيطة بها وفشل تلك الدول في إقامة أنظمة مستقرة، مزدهرة وقادرة على إدارة الصراع العربي الإسرائيلي بما يليق بحجم العرب ووزنهم وتاريخهم.
لكن هذا الخوف الإسرائيلي تفاقم في الآونة الأخيرة، ولم يعد التعبير عنه يقتصر على التلويح بالخطر الإسلامي المفتعل الى حد بعيد، بل بلغ الأمر حدّ المجاهرة بالرغبة في عودة الأنظمة العربية التي سقطت خلال الاشهر القليلة الماضية، او في بقاء الانظمة المهددة بالسقوط في الاشهر او الاسابيع المقبلة.. بناء على قراءة دقيقة للمصالح الإسرائيلية التي لا يمكن أن تعتمد على ميول شارع عربي مجهول الهوية لا يقيم وزناً للخارج الذي كان يرسل التعمليات والإملاءات، ولا لموازين القوى التقليدية التي تحكم الحدود في الشرق الأوسط كله.
كان رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يهذي عندما صرّح أمس انه يتمنى عودة نظام حسني مبارك الى مصر، ويرى أن الثورات التي وصفها بالهزات هي خطوة عربية الى الوراء، لن تنتج سوى انظمة اسوأ مما سبقها، معادية للغرب واسرائيل. وكان كبار وزراء حكومته يهلوسون عندما كانوا يتمنون بقاء النظام السوري او الأردني، او يعبرون عن الخشية من سقوطهما الوشيك.. ويعتبرون أن ذلك يبرر رفض إسرائيل العودة الى طاولة المفاوضات مع الفلسطينيين.
يكفي الثورات العربية ذلك الفخر، أن تعرّي اسرائيل من اوراق التوت العربية، وتكشف ان حكومتها وغالبيتها تحتاج الى مصحّ عقلي!

