بأي استقلال نحتفل اليوم بعدما سلبتنا الاحزان المتعددة الوجه افراحنا؟ اي علم وطني سنرفع بعدما كثرت بيارق الاحزاب والملل وصار الانتماء الى العائلة والطائفة والمذهب قبل الانتماء الى الوطن؟ لاي دولة لبنانية سننشد النشيد بعدما ازدهرت اللغات السياسية الاجنبية بين نخبنا السياسية وتغلب الولاء للخارج على المصلحة العليا للبنان واللبنانيين؟ لاي وحدة وطنية سنهتف في ظل تشتت الشعب اللبناني جماعات وشيعا واحزابا وشوارع وازقة وزواريب؟ اي الايام هو يوم الاستقلال الذي لايختلف عليه اللبنانيون، اهو يوم جلاء الانتداب الفرنسي، ام يوم رحيل منظمة التحرير الفلسطينية، ام يوم انهيار الاحتلال الاسرائيلي، ام يوم خروج الجيش السوري؟
أين انجازات الاستقلال وهناك لبنانيون جائعون من دون طعام ومرضى من دون علاج وأميّون من دون تعليم ومشردون من دون مأوى او كساء ولا من يسأل؟ وكيف يكون الاستقلال ونحن لانزال اسرى قضبان التعصب والطائفية، طوائف اذا اختلفت احرقت الوطن واذا اتفقت اقتسمت مقدرات الدولة والتهمت جبنتها؟ كيف نفخر باستقلالنا وساستنا يفخرون بانفسهم وكلاء شرعيين للمراجع الاقليمية والدولية ويباعون ويشترون بابخس الاثمان، زعماء نصبناهم انصاف آلهة وارتضينا اولادهم اولياء عهد من بعدهم، وفي وضح النهار ينهشوننا وينهش بعضنا بعضاً من دون رحمة؟
عن اي لبنان نتحدث، وهو منذ اعلانه دولة، يتكون من نقيضين أو خطين متعارضين لا يلتقيان ابدا ولا يبنيان وطنا، فهو مرة تحت وطأة انقسام فريقين: فريق كان يسير بالوطن نحو العروبة والاسلام، وآخر يريد اخذه نحو الغرب والمسيحية. مشهد الانقسام تكرر باشكال عدة وعناوين مختلفة: مرة مع نصف اللبنانيين ضد الوجود الفلسطيني المسلح ونصفهم الاخر معه، ومرة مع نصفهم المؤيد للوجود السوري على ارضه ونصفهم الاخر المتمترس في المقلب الاخر، ثم مع نصفهم الداعم لـ 8 اذار المعادية لاميركا واسرائيل و"الاعتدال"
العربي ونصفهم الاخر المؤيد لـ 14 اذار المعادية للنظام السوري وايران و"الممانعة" العربية. ويكتمل اليوم "النقل بالزعرور" مع "الربيع العربي" وذروته "الثورة السورية" حيث صار هناك فريق نصير امين للنظام متناسيا انه اثقل رؤوسنا بالشعارات عن "مصالح الجماهير" و"الثورات الشعبية"، في مواجهة فريق اخر تذكر ان في سوريا شعباً يستحق الحياة وتناسى بعضه عنصريته العارية ضد هذا الشعب. انقسام قاتل جديد يكاد يطيح ورقة التوت الاخيرة لما يطلق عليه كذبا الوحدة الوطنية اللبنانية والتعايش الاخوي بين اللبنانيين ومن شأنه ان يعيد لبنان الى اتون حروبه القاتلة والمدمرة.

