وعود “الربيع العربي” في الإزدهار الاقتصادي

نشرت مجلة "بلومبرغ ـ بيزنس ويك" (الطبعة العربية، تشرين الأول 2011) تقريراً موسعاً عن ما اسمته "الفرصة الذهبية" التي طال انتظارها لتحقيق الازدهار الاقتصادي في العالم العربي. منه نقتطف:
كان من الصعب أن يأتي الربيع العربي في توقيت اقتصادي أكثر سوءاً.
فالاضطرابات الشعبية التي اندلعت في أكثر من بلد عربي تتزامن مع أزمة اقتصادية ومالية عالمية هي الأكثر حدة منذ عقود. واذا اختلفت الآراء عند بحث ما إذا كانت الأزمة ذاتها عاملاً مساعداً في اشعال نار الربيع العربي، فان من المتفق عليه ان الآثار التي ستتمخض عنها قد تدوم طويلاً، فالمرحلة انتقالية وصعبة، تعكسها معدلات نمو تتراجع باطراد، وقد تواصل تراجعها في ظل حال عدم الاستقرار السياسي والاجتماعي. وفيما تقف الحكومات الانتقالية الجديدة في البلدان المضطربة عاجزة عن استيعاب الفوضى التي خلفها سقوط الأنظمة القديمة، تهرع الحكومات التي لم تلفحها رياح التغيير الى لعب دور الاطفائي، فترش السيولة فوق جراح اجتماعية واقتصادية مزمنة، ما يطيح،على فوائده القصيرة المدى، آمال الاصلاح الاقتصادي والمالي، يأتي كل ذلك فيما ازمات منطقة اليورو والولايات المتحدة تتوالى فصولاً سوداء.
من المقدر ان ينمو الناتج العربي بنسبة 4,8 بالمئة في العام الجاري، ارتفاعاً من 3،8 بالمئة قبل عام، طبقاً لبيانات صندوق النقد العربي. لكن اذا نحينا نسب النمو الايجابية التي ستحققها بلدان الخليج خصوصا بفعل ارتفاع اسعار النفط، لوجدنا ان نسب النمو ستتراجع وقد تكون سلبية في معظم البلدان العربية الأخرى. ويقول محمد التويجري، الامين العام المساعد للشؤون الاقتصادية في جامعة الدول العربية، ان الثورات كبدت الناتج العربي حتى الآن نحو 25 بالمئة من تقديرات نموه، ويضيف ان العام 2012 سيكون أسوأ بفعل ازمات المنطقة وديون اوروبا وأميركا، اذا فيما يقدر ان ينمو اقتصاد قطر بنسبة 20 بالمئة والسعودية بنسبة 6،5 بالمئة والامارات بنسبة 3،3 بالمئة في العام الجاري، قد يتراجع النمو في مصر الى واحد بالمئة انخفاضا من خمسة بالمئة في 2010، وسيهبط الى اثنين بالمئة في سوريا و1،3 بالمئة في تونس وصفر بالمئة في البحرين وبضع دول اخرى.
ويلعب سعر النفط في كل من ليبيا، بين الدول النفطية، تشكل استثناء، بأي حال، ليبيا الآن دولة نفطية معلقة. ومن المقدر ان يتراجع اجمالي الناتج المحلي فيها بنسبة 20 بالمئة على الأقل، بعد ان حققت نمواً بنسبة عشرة بالمئة في 2010، طبقا لصندوق النقد الدولي، لكن ليبيا ستعود الى تحقيق نمو بنسب تراوح بين ثلاثة وسبعة بالمئة خلال العامين المقبلين، والفارق تحكمه اسعار النفط، يقول الخبير الاقتصادي طلال السمهوري "سيستعيد اقتصاد ليبيا عافيته سريعاً في حال حقق النظام الجديد الاستقرار السياسي في البلاد وفتح ابواب ليبيا وقطاعاتها الاقتصادية المختلفة امام المستثمرين".
ان هذا الشرط يعد في الواقع القوة الدافعة التي يمكن ان تقود كل الاقتصاديات العربية في المرحلة المقبلة. فبعد الربيع السياسي، يمكن للربيع الاقتصادي ان يحل أخيراً في مصر وسوريا واليمن وتونس، وفي كل بلد عربي آخر، اذا احسنت هذه البلدان تحطيم جدران الانغلاق.
يشكل رحيل الأنظمة العربية المغلقة، اذا، فرصة زاهرة لكل اقتصاد عربي على المدى الطويل، لكن الربيع الاقتصادي المنتظر لن يأتي الا مسبوقا بجملة شروط، ايسرها واسرعها تاثيراً، بحسب المحلل الأردني فهد الفانك، تيسير بيئة الأعمال بما يشمل تحرير الأسواق وتعزيز حرية التبادل التجاري وفتح الحدود امام الاستثمارات وازالة القيود الجمركية وتسهيل حركة رؤوس الأموال والبضائع والأفراد، وخصوصا انتقال الكفاءات البشرية. يقول: "هذا شرط اساس لمنح الربيع الاقتصادي قوة دافعة".
يجدر بذلك ان يتزامن مع تعزيز الشفافية، وتيسير الوصول الى البيانات والمعلومات بطريقة منتظمة، وتطوير القوانين لاعطاء حوافز للمستثمرين الأجانب للاستثمار في تاسيس الأعمال أو قيام الشراكات وغيرها، هذا على الأقل ما توصى به منظمة الشفافية الدولية مصر تحديداً اذا شاءت تسريع عجلة نهوضها الاقتصادي، وينصح تقرير عن المنظمة بتعزيز الشفافية من خلال بناء "استراتيجية قومية متكاملة لمكافحة الفساد، متضمنة خط عمل وأدوات وتدابير فعالة وقابلة للتطبيق" وقيام "شراكة فعالة بين الحكومة ومنظمات المجتمع المدني والاعلام وقطاع الأعمال في بناء وتطبيق هذه الاستراتيجية"، وانشاء "جهاز مستقل لمحاربة الفساد ليقوم بمراقبة تطبيق الاستراتيجية، ووضع مدونات سلوك جديدة في الجهات والهيئات الحكومية"، وسن قوانين "الحصول على المعلومات وقوانين فعالة لحماية المبلغين عن الفساد".
لكن ينبغي اولاً محاكمة الفاسدين، ولا يتحقق ذلك بغير اصلاح النظام القضائي، وانشاء دوائر قضائية خاصة للنظر في قضايا الفساد بهدف تقليل فترة التقاضي واصدار الأحكام خلال فترة زمنية قصيرة نسبياً.
يبقى الربيع الاقتصادي ناقصاً ومجتزأ ما لم يتم ادماج الشباب العربي في صلب العملية الاقتصادية، بالتوازي مع زيادة مساحة مشاركتهم سياسياً. ويتحقق هذا الادماج ليس عبر زيادة مشاركتهم في وظائق القطاع العام، بل عبر توليد فرص عمل جديدة ومساعدة شركات القطاع الخاص على الافادة من طاقاتهم. يقول عبد الباقي: "ستسوء الأوضاع الاقتصادية في بلدان الربيع العربي لفترة موقتة. لكن في المدى البعيد وفي حال جرى وضع سياسات اصلاحية حقيقية تتواصل مع شباب الثورات، سيؤثر ذلك بشكل ايجابي حكماً على معدلات النمو الاقتصادي". عندها، نضع نقطة على آخر سطر في كتاب الأنظمة البائدة، ونبدأ بالقراءة في كتاب الربيع الاقتصادي.

السابق
سليمان ضد عزل سورية عربيا لانه يؤدي الى تدخل خارجي
التالي
الجريدة: الفاتيكان سيطلب إستقالة الراعي إذا صح ما نشره الكتاب الفرنسي