يمضي لبنان، الحكومة والقوى السياسية، في «تقطيع الوقت» في مرحلة يغلب عليها الطابع «الانتقالي» لارتباط ستاتيكو المراوحة الحالي ومستقبله بملفين من النوع الذي لا يمكن التكهن بمسارهما وهما: التحول العاصف في سورية التي يواجه نظامها المزيد من العزلة الداخلية والخارجية، والمحاكمات المرتقبة في المحكمة الدولية لمتهمين من «حزب الله» في جريمة اغتيال رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري.
واذا كان «وهج» الاحداث في سورية بدأ يصيب لبنان على نحو بارز لوضعه امام اختبار دائم في علاقاته الداخلية وعلاقته مع المجتمعين العربي والدولي، فان المجريات «السلحفاتية» لعمل المحكمة الدولية واجراءاتها تنطوي على مفاجآت من الطراز الذي غالباً ما يحدث صدمات قوية وذات ابعاد عميقة في تأثيرها على الواقع اللبناني.
فوق هذا الصفيح الساخن من الانتظار الثقيل ينخرط طرفي الصراع في معارك يومية متعددة الاتجاه سعياً لتسجيل انتصارات بـ «النقاط» في اطار مشروعين يختلط فيهما المحلي بالاقليمي، الامر الذي يأخذ شكل «الكر والفر» بين «8 و 14 آذار»، على غرار العراك المستمر منذ اسابيع حول خطة الكهرباء.
وبدا، في ظل المرحلة الانتقالية، وكأن كل شيء على الطاولة في الصدام المفتوح بين المعسكرين… من دور رئيس الجمهورية المهتزة «توافقيته» الى دور الجيش واجهزته وموقع القوى الامنية الاخرى، مروراً بالعنوان المستجد المرتبط بموقع المرجعيات الروحية في ضوء «الانقلاب» الذي احدثه البطريرك الماروني الجديد مار بشاره بطرس الراعي والتبدل في تموضع مفتي الجمهورية الشيخ محمد رشيد قباني.
فالصراع بين القوى السياسية آخذ بالتمدد من المعركة على الحكومة وبين مكوناتها الى التدافع على المؤسسات الرسمية وغير الرسمية الاخرى في اطار لعبة التوازنات التي اختلت مع اسقاط سورية و«حزب الله» لحكومة سعد الحريري «الائتلافية» والمجيء بـ «سلطة جديدة» تواجه هي الاخرى اختبارات قاسية، في تماسكها، وفي التحولات الاقليمية من حولها.
وسط هذا المناخ «الضبابي» والاكثر ميلاً لـ «سوء الانقشاع» يختبر لبنان الهامش الدولي المتاح له عبر توظيف رئاسته لمجلس الامن الدولي لإطلالة محكومة بمعادلة صعبة توائم بين واقعه المعقد و«المقيد» وبين رغبته في اظهار حضوره على المسرح الدولي.
وكانت نيويورك امس ولليوم الثاني على التوالي محور الانظار، اذ القى الرئيس ميشال سليمان مساءً كلمة لبنان امام الجمعية العمومية للامم المتحدة، على ان يترأس ليل اليوم جلسة لمجلس الامن بعنوان «الديبلوماسية الوقائية».
وقد اكد سليمان في كلمته امام الجمعية العمومية أهمية قيام الدولة الفلسطينية واعتراف الأمم المتحدة بهذه الدولة والفوز بعضويتها الكاملة في المنظمة الدولية، مشدداً على ان الحل السياسي النهائي والعادل لقضية اللاجئين لا يمكن أن يأتي إلا عن طريق الاعتراف بحق عودتهم والحؤول دون توطينهم في الدول العربية المضيفة وخصوصاً في لبنان، مجدداً الالتزام بالقرار 1701، ومؤكداً حقّ لبنان في المنطقة الاقتصادية الخالصة (البحرية) العائدة له، وفي استرجاع أو تحرير ما تبقى له من أراض محتلة بجميع الطرق المتاحة والمشروعة.
وفي موازاة الاهتمام بمضمون المواقف التي أطلقها سليمان، فان برنامج اللقاءات التي يعقدها في نيويورك بقي محط اهتمام، اذ اجتمع الرئيس اللبناني ليل الثلاثاء بالرئيس الفلسطيني محمود عباس الذي اكد انه سيتقدم يوم غد برسالة الى الامين العام للامم المتحدة بان كي مون يطلب بموجبها العضوية الكاملة لدولة فلسطين.
وفي حين ابلغ عباس الى سليمان ان الحصول على العضوية الكاملة يمرّ حكماً بمجلس الامن الذي يترأسه لبنان هذا الشهر، اكد رئيس الجمهورية ان لبنان يقف الى جانب الفلسطينيين في مسعاهم المشروع للحصول على العضوية الكاملة، وبأن التنسيق سيكون كاملاً بين البعثتين اللبنانية والفلسطينية في الامم المتحدة لمواكبة هذا المسعى وانجاحه.
والى جانب استقباله الرئيس السلوفيني دانيلو تورك والرئيس النمسوي هاينز فيشر، اجتمع الرئيس اللبناني بنظيره الايراني محمود احمدي نجاد حيث جرى البحث في الاوضاع في المنطقة، وسبل تعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين وتفعيل الاتفاقات التي تم توقيعها على الصعد كافة «لما فيه مصلحتهما وشعبيهما».
وكان سليمان اعلن خلال مشاركته في الاجتماع الدولي في نيويرك حول ليبيا «أن لبنان وليبيا اتفقا على أن يعقد في بيروت بتاريخ 24 نوفمبر المقبل، مؤتمر خاص لتشجيع الاستثمار في ليبيا، وذلك تأكيداً منهما على أهمية العمل المشترك من أجل بناء غد أفضل».
وأشاد الرئيس اللبناني «بعودة ليبيا الى موقعها الطبيعي في الجامعة العربية كما في الأمم المتحدة ممثلة بالمجلس الوطني الانتقالي»، داعياً الى «عدم ادخار أي جهد لمساعدة شعب ليبيا في تلبية احتياجاته، لا سيما من خلال بعثة الأمم المتحدة التي أجاز مجلس الامن انشاءها».
وفيما كانت الملفات اللبنانية ذات الامتدادات الدولية تتحضر لتكون محور الاجتماعات المرتقبة لرئيس الجمهورية في نيويورك، وبينها قضية المحكمة الخاصة بلبنان وتمويلها، ووضع قوة «اليونيفيل» في الجنوب، والتزام لبنان بالعقوبات المفروضة على سورية، خرج ملف خطة الكهرباء ذات الامتدادات السياسية المرتبطة بـ «المصارعة» المستمرة بين فريقيْ 8 و 14 آذار، من «دائرة الخطر» التي كانت تنذر بنقل المواجهة الى «خطوط التوتر العالي»، بعدما جاء الجلسة الثالثة لمناقشة مشروع قانون خطة الكهرباء «ثابتة»، اذ ساهم رمي رئيس البرلمان بـ «ثقله» وترؤسه الجلسة بحضور رئيس الحكومة نجيب ميقاتي في اجتراح تسوية راعت الملاحظات التي كان نواب المعارضة سجّلوها على المشروع وتمت على قاعدة اعتماد المشروع بالصيغة التي أُقر فيها داخل مجلس الوزراء وليس كما احيل على اللجان غير متضمّن لمواد تتعلق بسعي رئيس الحكومة لدى الصناديق المانحة لتأمين تمويل انتاج 700 ميغاوات من الكهرباء بكلفة مليار ومئتي مليون دولار، وتعيين مجلس ادارة مؤسسة الكهرباء خلال مهلة اقصاها شهران، واجراء المناقصة من ادارة المناقصات وتقديم عرض خطي ولو موجزاً لخطة الكهرباء تفصل الرؤية لثلاثة قطاعات: الانتاج والنقل والتوزيع، على ان تكون مرفقة بجدول زمني، من أجل تحديد الناحية الجغرافية والبيئية، وخصوصا في ما يتعلق بالمعامل.
ومع الأخذ بغالبية هذه الملاحظات، تتجه خطة الكهرباء لتقرّ اليوم في الهيئة العامة على طريقة التصويت «بالتوافق»، اي ان المشروع سيمرّ رغم ان وزير الطاقة جبران باسيل، الذي عبّر عن رضاه على تسوية اللجان، بدا كانه خرج بنقاط خسرها من هذه «المعركة» تماماً كما كان حصل معه ابان اقرار الخطة في مجلس الوزراء حين تم الأخذ بمجمل الملاحظات والضوابط التي طالب بها وزراء النائب وليد جنبلاط والرئيس ميقاتي والتي كان وزير الطاقة يعترض عليها باعتبار انها تمس بصلاحيات الوزير، ومنها تجزئة التمويل.
ومع هذا المخرج، الذي «سحب فتيل» اشتباك سياسي من الجلسة العامة اليوم، والذي اعتبره نواب المعارضة «انتصاراً» لهم ولمنطق الشفافية، لا يُنتظر ان تشهد هذه الجلسة مفاجآت لناحية عدم تأمين نصاب التئامها مثلاً (65 نائباً) او عدم قدرة الاكثرية على توفير الغالبية لإقرار الخطة الكهربائية، وذلك بعدما كانت الساعات التي سبقت ولادة التسوية شهدت عمليات «بوانتاج» لعدد النواب الذين يمكن ان يحضروا من الجانبين،حيث أظهر الحساب الأولي ان هناك نقصاً في الصفوف النيابية للغالبية بسبب اضطرار الوزير محمد الصفدي للسفر الى واشنطن ووجود الوزير وائل ابو فاعور في نيويورك ضمن الوفد الرئاسي، ووجود النائب نعمة طعمة في السعودية. مع العلم ان نواب المعارضة سيكونون «على سلاحهم» في الجلسة العامة اذ سيحرصون على التاكد على عدم تطيير التعديلات اليوم وهم حضّروا «الخطة ب» تحسباً لمثل هذا الاحتمال الذي سيكون «فضيحة» لرئيس الحكومة كما قال بعضهم.
ورغم ان رئيس البرلمان وضع زعيم «التيار الوطني الحر» النائب العماد ميشال عون هاتفياً امس في «الأسباب الموجبة» للتسوية (وزير الطاقة صهره)، فان هذا الامر لم يحجب الأضواء عن المواقف اللتصعيدية التي كان عون اطلقها بعد اجتماع كتلته البرلمانية اول من امس اذ عاود حملته القاسية على نواب «المستقبل» الذي وصفهم بـ «قرطة كذابين ومنافقين يريدون إفشال الدولة أمام المواطنين»، متمسكاً بصلاحيات الوزير المسؤول عن وزارته، ومؤكداً «أن مشروع الكهرباء انمائي غير خاضع للتسوية»، وجازماً بوجود «مراقبة كاملة على الخطة من وزارة المال ومن إدارة المناقصات وديوان المحاسبة».
ورفع عون من حدة هجومه، داعياً إلى «محاكمة اللاجئ إلى أوروبا (سعد الحريري) لأنه لم يصادق على الحدود البحرية ولم يرسلها إلى الحكومة، ولو كان ارسلها لكنا انتهينا من قضية ترسيم الحدود البحرية» وقال: «لا نقبل مس صلاحيات الوزير بشعرة والوزير مسؤول في وزارته ولا احد وصيا عليه ولدينا سكاكين نقطع كل اذرع الاخطبوط وهذا المشروع غير خاضع للتسوية ولا للرشوة».

