تأتي المحادثات الأميركية – السعودية على أعلى المستويات في الرياض في ظلّ تردّ غير مسبوق في العلاقات الثنائية، بعكس ما كانت عليه طوال العقود الماضية (1). من هنا تأخذ زيارة الرئيس الأميركي باراك أوباما الثانية إلى المملكة العربية السعودية في غضون خمس سنوات (2) أهمية مضاعفة، حيث أنّ من شأن فشل أو نجاح المحادثات التي سيجريها مع كبار المسؤولين السعوديين، وفي مقدّمهم الملك السعودي عبد الله بن عبد العزيز، أن يترك إنعكاساته الثقيلة على الكثير من الملفّات الشائكة إقليمياً، وأن يرسم الخطوط العريضة لكثير من السياسات في المنطقة. والملفّات التي سيتناولها لقاء القمّة، بحسب خُلاصة عن آراء مجموعة من الخبراء والمحلّلين السياسيّين الإقليميّين والدوليّين، هي:
أوّلاً: الملف الإيراني حيث سيسعى أوباما إلى طمأنة القادة السعوديّين بأنّ أيّ تقارب في الملف النووي بين الغرب وإيران لن يكون على حساب مصالح السعودية، بينما ستُطالب الرياض بأن يشمل أي إتفاق تهدئة مع إيران تعهّدات جدّية من قبلها بوقف دعمها اللوجستي لجماعات معارضة ولقوى حزبية في أكثر من دولة خليجيّة وعربية. فإذا كان الغرب يناسبه وضع ضوابط لطموحات إيران النووية، فإنّ المملكة يهمّها تحجيم الدور الإيراني المتنامي في كل من البحرين واليمن وسوريا ولبنان وغيرها من الدول.
ثانياً: الملف السوري حيث سيسعى الرئيس الأميركي إلى ممارسة المزيد من الضغوط على المملكة للعمل جدياً على منع تحوّل سوريا إلى أرض آمنة لعمل ولحركة ناشطي تنظيم “القاعدة” الإرهابي والقوى الإسلامية المنضوية تحت جناحيه، بينما سيضغط الجناح المتشدّد من القيادة السعودية لأنّ ترفع الولايات المتحدة الأميركية مستوى تدخّلها في الحرب السورية، لجهة رفع الحظر عن الأسلحة النوعية للقوى المعارضة، والعمل جدياً على الساحة الدولية لمنع إنتخاب الرئيس السوري بشّار الأسد لولاية ثالثة.
ثالثاً: ملف المفاوضات الفلسطينية-الإسرائيليّة حيث سيطالب أوباما القيادة السعودية بتحضير الأرضيّة لتبنّي أيّ إتفاق محتمل، ولو على الخطوط العريضة، وبالعمل على تسويقه عربياً، بينما ستطالب الرياض بأن لا تبقى على هامش هذه المفاوضات، وبأن يكون لها دور مركزي فيها، يليق بموقعها الإقليمي ويجعلها بموقع الرابح في حال الوصول إلى أيّ نتيجة إيجابيّة.
رابعاً: الملف المصري الذي سيعرضه المسؤولون في السعودية على الطاولة نتيجة مأخذ الرياض على تخلّي واشنطن بسهولة عن حليف أساسي لها بقي حاكماً للقاهرة على مدى عقود عدّة، ومأخذها أيضاً على سرعة إنفتاح واشنطن على تنظيم “الإخوان المسلمين” من دون أخذ ملاحظات المملكة ومصالحها الإقليميّة في الإعتبار.
خامساً: ملف العلاقات الخليجيّة الذي سيعرضه أوباما، لجهة المطالبة بترتيب البيت الداخلي الخليجي لمواجهة الإستحقاقات المهمّة المقبلة على المنطقة ككل بشكل موحّد، خاصة وأنّ واشنطن تدرس حالياً سُبل إيجاد بدائل للغاز الروسي الذي يتمّ تصديره من روسيا إلى الدول الأوروبية، وذلك من مصادر عالمية مختلفة، قد تكون دولة قطر إحداها.
إذاً، لكل ما سبق، إنّ زيارة الرئيس الأميركي إلى المملكة العربية السعودية لن تكون محطّ ترحيب داخل الأبواب المُغلقة، نتيجة التباين في المواقف إزاء أكثر من ملفّ مهمّ، وبفعل العتب السعودي الكبير على السياسات التي يتّبعها أوباما إزاء أكثر من ملفّ حسّاس، بشكل لا يأخذ مصالح المملكة السعودية في الإعتبار، وحتى يناقض هذه المصالح في بعض الأحيان. فهل ستساهم محادثات الرئيس الأميركي في الرياض، والتي مهّد لها وزير الداخلية السعودية الأمير محمد بن نايف خلال محادثاته في واشنطن الشهر الماضي، في عودة المياه إلى مجاريها بين البلدين، أم أنّ التوتّر بينهما سيزداد؟ تطوّرات الأوضاع في غير ملفّ خلال الأشهر القليلة المقبلة ستحمل الإجابة بالتأكيد.
(1) ليس سرّاً أنّ العلاقات بين الولايات المتحدة الأميركية والمملكة العربيّة السعودية كانت تاريخياً وبشكل دائم جيّدة جداً منذ إنتهاء الحرب العالمية الثانية، نتيجة المصالح المُتبادلة التي تبدأ بتصدير المشتقّات النفطية ولا تنتهي بتوفير الحماية الأمنيّة، مع كل ما رافق هذه المعادلة من أحداث ومن مصالح مشتركة، مثل مواجهة الجيش العراقي بعد أن إنقلب الرئيس صدّام حسين على دول الخليج، ومواجهة ناشطي تنظيم “القاعدة” الإرهابي بعد مهاجمتهم أهدافاً أميركية وسعودية على حدّ سواء، إضافة إلى بيع الأسلحة الأميركية للسعوديّين وتوفير قواعد عسكرية على الأرض السعوديّة للأميركيّين، إلخ.
(2) تعود الزيارة الأولى للرئيس الأميركي باراك أوباما إلى السعودية إلى حزيران 2009.

