تؤكّد أوساط سياسية رفيعة في قوى 8 آذار، أنّ ما حصل بين بين “التيار الوطني الحر” و”تيار المستقبل”، من تطوّر في العلاقات، هو أمر بالغ الجدّية. وترى أن الطرفين “أنجزا تفاهماً عملياً يستند إلى حقيقة سياسية دولية غير ضعيفة”، معتبرةً أنّ “اللقاء بين الرئيس سعد الحريري والجنرال ميشال عون ما كان ليتم لولا هذه الجدّية، حيث بدأ حلفاء الجانبين التحضر لملاقاة هذا التطور كل من موقعه”.
وتقول هذه الأوساط المطّلعة على تفاصيل العلاقة، إنّ واشنطن متورّطة في حدوث هذا الحراك السياسي الجذري في الساحة اللبنانية، الذي يأخذ طابعاً انقلابياً على مستوى التحالفات، ويؤدّي في حال إتمامه إلى خلط كبير في الأوراق والمعطيات.
ويُسجَّل في هذا الإطار الحركة الدؤوبة التي يقوم بها السفير الأميركي في بيروت ديفيد هيل باتجاه الرابية حيث مقر العماد ميشال عون. ويبرز تحرك متشعّب لهذا السفير باتجاه العاصمة السعودية التي تمتلك تأثيرًا سياسيًا هامًا على الساحة اللبنانية. وهذا ما يحتم تأمين دعمها في أي عملية تسويق إقليمي ودولي لأي من المرشحين الرئاسيين المطلوب إيصالهم إلى قصر بعبدا.
وتضيف المعطيات السياسية المتوافرة في هذا الإطار، أن الانتخابات الرئاسية اللبنانية ستكون موجودة على جدول أعمال القمة الأميركية – السعودية بين الرئيس باراك أوباما والملك السعودي عبدالله بن عبد العزيز في آذار الحالي.
وبحسب هذه الأوساط، برز أكثر من مؤشّر على أن فريق عمل الرئيس سعد الحريري وصل إلى نتيجة مفادها أن وصول رئيس مسيحي قوي كالعماد ميشال عون إلى سدة الرئاسة الأولى، سيؤدّي إلى تحقيق توازن مطلوب على مستوى ميزان القوى، الذي يمتلك جزءاً كبيراً منه حزب الله على الساحة اللبنانية. أو بلغة أخرى، أن العماد ميشال عون من خلال علاقته المميزة بحزب الله وبالسيد حسن نصرالله كفيل بكبح “جماح” الحزب في العديد من القضايا المختلف عليها.
ويميل بعض قارئي الموقف السياسي لـ”تيار المستقبل” حيال هذا الموضوع، إلى أن سعد الحريري إذا كان يختزن نية المناورة في خطوته الإيجابية حيال الجنرال عون، فإنه يرمي الى ضرب وحدة معسكر الثامن من آذار من خلال عدم موافقة الرئيس نبيه بري على دعم عون في سعيه الرئاسي أو عبر تلكؤ حزب الله في تأمين هذا الدعم. علماً أن أوساط الرابية تستبعد نية المناورة لدى الحريري الذي لا يملك مقومات هذه المناورة من الناحية التقنية السياسية.
إلا أن بعض المراقبين يتساءل عن ماهية الانفصال بين حسابات سعد الحريري السياسية وحسابات المملكة العربية السعودية، التي ينسب لها البعض الميل إلى التمديد للرئيس ميشال سليمان، بالتفاهم مع الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند.
ويحاول البعض الآخر الإجابة عن هذا السؤال من خلال القول إن معطيات جديدة ناشئة داخل المملكة تسمح بوجود هذا الهامش المعطى للرئيس الحريري، والمرتكز في صلبه إلى موقف أميركي واضح المعالم، وهذا ما يفضي إلى القول إن الحريري يعيش حالياً لحظات تاريخية في حياته السياسية قد تمنحه في حال إتمام الصفقة بينه وبين ميشال عون فرصة تاريخية في تصليب أدائه السياسي، واكتسابه مزيداً من التجربة والخبرة التي تسمح له بأداء دور القطب السياسي اللبناني الصانع للأحداث أو المساهم في ولادتها.
ومن الطبيعي القول إن الحريري يغامر من خلال هذه الصفقة المفترضة مع التيار الوطني الحر بتحالفاته الحالية مع “القوات اللبنانية” و”الكتائب” اللذين لا يخفيان لا طموحهما الرئاسي ولا امتعاضهما المشترك من وصول ميشال عون إلى قصر بعبدا. ويغامر الحريري أيضاً بتحالفاته المجمّدة مع وليد جنبلاط الذي لا ينسجم كيميائياً مع جنرال الرابية.
التيار الوطني الحر، يعتبر من ناحيته، أن الوصول إلى قصر بعبدا أمر يستحق المغامرة بتحالفاته الحالية مع حركة أمل وحزب الله (في أسوأ الأحوال)، اللذين سيقلقان ليس من تفاهم الحريري- عون فحسب، بل من تفاهم الرابية – واشنطن الذي يبدو أنه في أساس الصفقة المفترضة المشار إليها.
مصادر مطلعة في حزب الله لا تبدو قلقة من تقارب عون – الحريري، بل أكّدت أنها ترحب بوصول عون للرئاسة الأولى.
في المقابل فإنّ مصادر في “تيار المستقبل” تؤكّد أن التقارب الحاصل مع “التيار الوطني الحر”، هو في إطار التواصل المطلوب بين مختلف القوى السياسية في البلاد، مؤكدةً أن البحث في لقاء الحريري – عون اقتصر على التشديد على أهميّة حصول انتخابات رئاسة الجمهورية وعدم حصول فراغ في موقع الرئاسة الأولى، ولم يتم التطرق إلى تبنّي ترشيح عون أو عدمه.
وذكّرت مصادر المستقبل بتصريح الرئيس الحريري من روما عقب لقائه البطريرك الماروني بشارة الراعي، حيث أعلن أنه سيكون لقوى 14 آذار مرشّحها للرئاسة

