كالاسرى العائدين الى الديار، تعود القيم الى الخطاب العام في اسرائيل. شاحبة ومتواضعة، لا تزال مصدومة، فرحة بان تكون هنا بل وفرحة اكثر بان ما كان لن يكون بعد اليوم. وهي تجد نفسها في الخيام، الفضاء المعروف جدا في تاريخ الصهيونية واليهودية. في الخيام صاغت الهجرة الثالثة مبادىء المجتمع القدوة ومن داخلها خرجت كتيبة العمل. ومع الخيام صعدت الصهيونية الى الارض. وفي الخيام قامت الروح المميزة للبلماخ التي سعت لان تكون قوة فائقة وقيمية. وقد بدت الخيام صحيحة وجديدة بالنسبة لنا جدا، بالذات لانها قديمة جدا؛ من حركات الشبيبة وحتى تاريخ الحاضرة اليهودية، كانت الخيام رمزا للعمل القيمي.
يخطىء من يعتقد بان هذا الاحتجاج هو انتفاضة قطاعية للطبقة الوسطى. العمود الفقري للمجتمع الاسرائيلي جثم تحت عبء الاستغلال في مزرعة الكروم التي بينت هنا. وقد وجدت نفسها تؤكل وتقضم من كل الجوانب، بالاسعار التي دفعتها للاحتكارات، بالرواتب التي تلقتها وبالمطالب التي تقدمت بها اليها الساحة السياسية المنقطعة عن الواقع ومغلقة الحس. ولكن خلافا للقطاعات الاخرى، فان المطالب التي طرحت وتصدرت الاحتجاج – العدالة الاجتماعية، التضامن المتبادل، وعمليا "نيو ديل" (العقد الجديد) في المجتمع الاسرائيلي – لا تقف بعيدا عن ساحة المدارس الكبرى في اسرائيل.
يتحدثون كثيرا عن النقص في الصياغة الدقيقة لاماني الاحتجاج، ولكن قوته الهائلة تأتي بالذات من المطالب القيمية الواسعة. الساحة السياسية القديمة لا تزال تفكر بصيغة المفاوضات الائتلافية: لقد بنوا خياما، فسنعرض عليهم شيئا فاذا الخيام تفكك. وسلام على اسرائيل. وكأن المحتجين كانوا حزبا قطاعيا صغيرا معني بتوسيع مخصصاته في صالح عدم العمل. الاحتجاج، العموم اسرائيلي، يقول: لا. نحن لا نطلب شيئا، ولكننا نطالب بكل شيء. لا نتحدث بالشعارات ولا نتحدث بقوائم البقالة للسياسة القديمة، المتعلقة بالصفقات. نحن نتحدث بالقيم ونريد عقدا جديدا.
هذا النهج الواسع هو السبب الذي يجعل فئات سكانية مستضعفة، التي تكسب أقل من الطبقة الوسطى، تجد لها بيتا حميما بالاحتجاج. يمكن أن نضرب نماذج لمظاهرات في نهاية الاسبوع الماضي، ولكن عمليا مع بداية الاحتجاج كانت قد قامت الخيام الاولى في المحيط في الاماكن التي تعتبر فيها الطبقة الوسطى شريحة رقيقة وعليا فقط. فقد قامت هناك لان المحتجين في جادة روتشيلد، مثلما هم أيضا مبادرو تمرد الكوتج، لم يطالبوا لانفسهم بامتياز آخر يمكن الجدال فيه. العدالة الاجتماعية ليست مطلبا لمكسب للطبقة الوسطى، بل لاصلاح ظلم عام. لتغيير قيمي.
هذا معنى عميق وسياسي لصيف 2011. لزمن طويل جدا احتقرت ساحتنا السياسية القيم، واعتبر الخطاب القيمي ساذجا، منبوذا بالاساس – غير ناجع. القوة كانت هي الاساس. الاستسلام لكل طلب ائتلافي استقبل بالابتسام وبالتفهم؛ هذا هو سبيل العالم. السياسيون لم يتلقوا نقاط الاستحقاق على القيم، لانهم اثبتوا بذلك النقص في "القاتل الغريزي". المسألة الجماهيرية التي طرحت بالنسبة للشخصية العامة التي ادينت بالجنايات كانت فترة العار ضمن القانون – وليس مجرد المعنى القيمي لذنوبهم. هذا هو السبب الذي جعل قوى جديدة تبتعد عن السياسة؛ ولعل "الجدد" يمثلون نهجا قيميا سليما، ولكن التجربة (وبالاساس التجربة السيئة) كانت أكثر قدسية من النظافة.
ليس لهذه السياسة القديمة أي علاقة باسرائيل الان. خير سيكون اذا ما أصلحت لجنة تريختنبرغ بعضا من تشويهات الاقتصاد في اسرائيل ولكن أكثر خيرا سيكون اذا ما استبدلت سياستنا وتغيرت وبالاساس فهمت اسرائيل الان.
اسرائيل الان تخرج الى الميادين وتطالب بالعدالة الاجتماعية، مع يافطات كتبت في البيت ولم تطلب من مستشار استراتيجي. وعندما تصل الى الميادين، تتحدث عن التضامن وتطلب التغيير ليس عبر الزعماء بل عبر الجماعية. وعندما تعود اسرائيل الان الى البيت، تتصبب عرقا ولكن سعيدة، فانها تنتج الاحساس الذي يشعر به الكثيرون هذه الايام: التجدد. وللقيم تقول: أهلا وسهلا بالعائدين.

