عن زيارته لمصر في الوقت الحالي السيّد علي الحكيم: إنّ مصر ضرورة عربية وإسلاميّة على الدوام

 نحن نعتقد بأن مصر هي من الأهميّة بمكان بحيث أنها لا يجب أن تُغْفَل، ولا يجوز بأي حالٍ من الأحوال أن تضعف، فهي تحوي في مكوّناتها كل عناصر القوة: الفكرية، الثقافية، السياسية، الاقتصادية…
في غياب العراق، أو بتغييبه، المنطقة تشرذمت، ولم تعد شيئاً محدّداً، فقد تحوّلت إلى دول وأوطان متفرِّقة
لقد تمكنَّا في هذه الزيارة من وضع لبناتٍ أولى للتقريب بين العراق وبين مصر، فكرياً وثقافيّاً ودينيّاً ضمن الدائرة الأوسع للعالم الإسلامي فحضور مصر والعراق في الوسط الإسلامي والعربي سوف يكون جسراً لحضور الجميع وليس مصادرةً لدور أحد.

قام سماحة العلاَّمة الدكتور السيد علي الحكيم، أمين عام مؤسسة الإمام الحكيم(قده) في لبنان، بزيارة إلى مصر، في أواخر شهر حزيران الماضي، وذلك في سياق الحراك الفكري، الثقافي، الديني الدائم للمؤسَّسة في نطاق التواصل والتّنسيق المستمرين بينها وبين مختلف أقطار العالم العربي والإسلامي كافة، ولقد أطلعنا سماحته، في لقاءٍ لنا معه، حول هذه الزيارة، على دوافعها وأهدافها ونتائجها. وهنا نص الحوار.
• سماحة السيد قمتم منذ وقت قريب بزيارة إلى جمهورية مصر، ماذا عن دوافع هذه الزيارة ولماذا كان توقيتها الآن؟
– بسم الله الرحمن الرحيم إن توقيت هذه الزيارة متعلّق بظرف زمنيّ لا أكثر ولا أقل. فلقد تهيّأت ظروف هذه الزيارة في هذا الوقت، ومن دون أية خصوصية لعامل الزمن في توقيتها بالمطلق.
• ماذا عن أهداف هذه الزيارة؟
– نحن نعتقد بأن مصر هي من الأهمية بمكان بحيث أنها لا يجب أن تُغْفَل، ولا يجوز بأي حال من الأحوال، أن تضعف، فمصر تحوي في مكوناتها كل عناصر القوّة: سواء القوة الفكرية، الثقافية، السياسية، العلميّة، البحثيّة، الاقتصادية… الخ. كبلدٍ يمكنه أن يكون، في أي وقت من الأوقات، هو محورٌ في المنطقة. غُيِّبَ هذا البلد فترةً طويلة من الزمن، ولعدَّة أسباب، وغالب الأسباب هو سياسي. فحتّى في فترة التغييب هذه لم تكن مصر هي غائبة، حاولوا تغييبها؛ لكنَّها لم تغب، حاولوا تعطيل سياساتها في شكل معيَّن، لكنَّها كانت موجودة دائماً، شدّةٌ وضعف.

ركنان أساسيان
في نفس الوقت، نحن نعتقد سياسياً بأن مصر هي أحد ركنين رئيسيّين في العالم العربي: إسلامياً هي ركنٌ أساس مع العراق في العالم العربي، وهدفنا كان التواصل والتنسيق مع الفئات الفكرية والثقافية في مصر، ومع المؤسسة الدينية العليا في مصر، الأزهر الشريف، فيما يتعلّق بالشأن الذي ذكرتُه أي الموضوع الفكري الثقافي الديني بين العراق وبين مصر، وفي الدائرة الأوسع في العالم الإسلامي.

هذا الهدف هو هدف سامٍ وكبير، وهو لا يعني أبداً أن باقي البلاد العربية والإسلامية سوف تكون هي خارج هذا الهدف، بل هي داخله، لكن ليست كما هي مصر.
نحن نلاحظ دائماً أن المغرب العربي مغيَّب، وأفريقيا مغيَّبة كلاعب أساسي أو كمُحاور أساسي أو كمُفكِّر أساسي. ويوجد فيها مفكّرون ويوجد فيها مثقّفون، لكنَّهم مغيَّبون كلاعبين أساسيين.
فحضور مصر القوي وحركة مصر القويّة، سوف تُحضِر بالتَّبَع المغرب العربي وأفريقيا، وهذا خزّان كبير من الفكر والمعرفة، والثقافة، ولا يجوز بأي حالٍ من الأحوال أن يبقى بعيداً أو أن يبقى مهمَّشاً أو أن يبقى متغرِّباً، كما هو الحال في شمال أفريقيا، أي في أفريقيا العربيّة. وبالنسبة لنا، نحن العراق، أيضاً نعم، في غياب العراق أو بتغييب العراق، المنطقة تشرذمت، بشكل من الأشكال، تحوّلت إلى عربيّة، إيرانية، تركية، فلم تعد شرقية ولم تعد إسلاميّة، ولم تعد "شرق أوسط"، ولم تعد شيئاً محدَّداً، فقد تحولت إلى دول وأوطان متفرِّقة.
أيضاً نعتقد إذا حضر العراق بعد هذا التاريخ سوف يصلح أن يكون جامعاً، لا مُصادِراً للأدوار، كما أنّ مصر ليست مصادِرة للأدوار، وإنما جامعة، يمكن أن تكون هي المركز، هي الحضن الأم الذي يجمع الجميع. العراق يمكن أن يُحضِر الإيراني في الوسط الإسلامي وفي الوسط العربي. ويمكن أن يحضِر التركي في الوسط الإسلامي والعربي ويمكن أن يحضِر السعودي في الوسط الإيراني والتركي.. كما أن مصر يمكنها أن تُحْضِر المغرب العربي في الوسط العربي والإسلامي، فيمكن للعراق أن يُحْضر المشرق العربي الإيراني والتركي إلى المغرب أو إلى أفريقيا، هذان البلدان يمكنهما أن يكونا جسراً لانتقال الثقافة والمعرفة والفكر بين الأطراف المتباعدة من خلال تغييب دور هذين البلدين. إن الهدف من هذه الزيارة كان معرفة مدى إمكانيّة التواصل والتنسيق سواء – وكما قلتُ – على الصعيد الديني أو الفكري أو الثقافي، بعيداً عن الشأن السياسي إذ إن هناك سفاراتٍ ودُولاً تعمل على هذا الصعيد.

لبنات أولى
• سماحتكم حبذا لو تضعونا في أجواء نتائج هذه الزيارة؟
– أعتقد أننا حقّقنا جزءاً كبيراً من هذه النتائج: فلقد تمكّنا من وضع لبناتٍ أولى للتنسيق بيننا وبين مصر، للتقريب، بين العراق وبين مصر. فنحن نسقنا مع الجهات المصرية: مع مؤسسات فكرية، ومؤسسات معرفية، من جملتها: جامعة القاهرة، و"المركز الدولي للدراسات المستقبلية والاستراتيجيّة"، ومن جملتها مفكرون ومثقفون في مصر. ونعتقد بهذه الحركة أن حضور مصر والعراق سوف يكون جسراً لحضور الجميع وليس مصادرة لدور أحد.

نوافذ مفتوحة
لا يمكن لأحد أن يصادر دور أحد على كل الأحوال، فلا يمكنني أنا أن أُصادر دور المفكر السعودي أو المفكّر الإيراني أو المفكر التركي أو المفكر اللبناني… الخ. فالمفكر سيبقى مفكراً والمثقف سيبقى مثقفاً. لكن يمكنني أن أُزيل الحواجز والحدود الموجودة بين بعضنا، أو بين القوميات، بين المذاهب، بين الأديان، باعتبار وسطيّة موقع العراق جغرافياً. حركة العراق باعتباره جاراً للجميع، يمكنه أن يكون ناقلاً. كذلك مصر، هي حلقة الوصل، بيننا وبين غيرنا، فإذا ما غابت مصر غاب ذلك الغير قهراً، لا لأنه انعدم، وإنما غاب. مصر تصلح أيضاً أن تكون هي الناقل، هي الوسيط، هي الجسر، هي النوافذ المفتوحة.
أضاف سماحته: أتصوّر، قطعنا هذه المرحلة، لكن لا زلنا في بدايات الألف ميل، – ولا أريد أن أعطي الموضوع أكثر من حجمه – نعم، لكن هذه البدايات كانت بدايات مشجِّعة جداً وجيّدة جدّاً، يعني، يمكنني أن أقول نحن نجحنا في جزء كبير في خلْق بيئة مساعدة لأن ننتقل إلى الخطوة التالية، والآن، نُوفَّق أو لا نُوفّق، هذا اعتبارٌ آخر.
مصر ضرورة، كانت ولا زالت، ولأي نظامٍ سياسي كانت خاضعة: ملكي، جمهوري، ممانع غير ممانع… الخ، فلا أعتقد أن النظام السياسي في مصر يعطّل دور الحراك الثقافي والفكري في مصر، ويعطّل صلاحية مصر أن تكون هي الوعاء أو القاعدة لهذه الحاجة.

إزالة هاجِس
طبعاً إن ما نتحدث فيه هنا، حول زيارتنا لمصر، هو يصبّ في ضمن أهداف المؤسسة (مؤسسة الإمام الحكيم (قده) في لبنان)، وبرامج ونشاطات المؤسسة في نفس الوقت.
في آخر المطاف وضمن التواصل بين العراق ومصر مباشرة نحن من ضمن الحراك، ضمن هذا التواصل، وقلت: نحن وضعنا الّلبنة الأولى لهذا الحراك، وأوجدنا بيئة صالحة، فهناك سوء فهم كبير كان موجوداً، وهناك، وجود فرقٍ، ولنحكي الأمور بصراحة، يوجد شيعة وسُنَّة، ويوجد ما يُسمّى هيمنة إيرانية في العراق، وما يقال عن هيمنة إسرائيلية في مصر، فلا هذا صحيح ولا ذاك صحيح. لا أن الشيعة هم هدفهم أو مشروعهم أن يغيروا الواقع الاجتماعي والديموغرافي في مصر، ولا السّنّة في مصر هدفهم أن يغيرون من نظام الواقع الاجتماعي والديموغرافي في العالم الشيعي، بل يمكن أن يكون هناك نوع من أنواع التكامل، هذا الهاجس الموجود لدى المصريين، والهاجس الموجود لدى العراقيين، والموجود لدى الإيرانيين. نحن نجحنا نجاحاً كبيراً جداً في إزالة هذا الهاجس، وفي إذابة الرواسب الموجودة. لكن مصر، تحتاج إلى وقت طويل، فمصر تعيش حراكاً سياسياً عنيفاً، ليس على الأرض، بل هناك تصادُم قوى كبير في مصر، هناك مدارس سياسية مختلفة في مصر، وأنا أعتقد أن مصر تحتاج إلى وقت حتى يستقرّ وضعها السياسي، وإن كنتُ آمل أن لا ينخدش وضعها الأمني، وأنا أخشى ذلك.
 

السابق
تكليف الشيخ مدرار يلقى اعتراضا في المنطقة والسبب انه من خارجها قرار تكليف مفتي صور ومنطقتها كشف أزمة العلاقة بين اطراف سياسية
التالي
صقر: صمت حزب الله عن سفك دم الشعب السوري يضعه بمواجهة الإمام الحسين