وداع هادئ لمحمد دكروب

وُدّع، أمس، الناقد ورئيس تحرير مجلة «الطريق» محمد دكروب في روضة الشهيدين في الشياح. كان كل شيء هادئاً، مثل ما يفترض بالراحلين أن يكونوا في مشهدهم الأخير. والرجل، بجسده الصغير وخفة الموت، لم يكن ثقلاً، بقدر تحول المكان، الذي وجد أمس فيه، ثقلاً على مشيعيه إلى قبره. وهم أشخاص موصوفون، بمعنى إمكانية تعريفهم. وارتباك اللحظات الأولى للخروج من المسجد باتجاه المقبرة يدل على ذلك. إذ بدا أن بضعة شبان، يحملون أعلاماً لـ«الحزب الشيوعي اللبناني»، مترددون في التعبير. وهم بين التردد والحيرة تباينوا في شأن النشيد الذي سيرافق الجثــمان، وضرورته.
وهو قلق يتجنب الاستفزاز والاختلاف. إذ لم يكن المشيّعون، من الرفاق والأصدقاء، قد اجتازوا بعد أعلاماً حزبية أخرى تحزم مدخل الجامع، حيث صُلّي على جثمان دكروب. وخلف رجل الدين كان يقف رفاق يضعون فوق أكتافهم شالات حمراء ويحملون صوراً لتشي غيفارا. وهو مشهد مفارق طبعاً، لكنّه يمضي بهدوء. وهو، في آخره، لا يقلق الرجل في نعشه تحت علم لبنان. والعبور من هذا الموقف، إلى غيره، أي حين حمل النعش ومشوا فيه، استلزم رفع أعلام، شبه احتفالية لكنّها قليلة هي الأخرى، لـ«الحزب الشيوعي». وأداء نشيد الحزب، بأصوات قليلة، لكنها تصر على استكماله إلى آخر النفس.
لم يكن الموكب المرافق كبيراً، لكنه تمكّن من إقفال شارع يفصل المسجد عن المقبرة. وهي مكان لم يعمر بعد بأناس كثر. كأنه مكان، بأرضه الترابية، مستجد. وهذه وحشة مضافة أيضاً. وقد استبقت المشيّعين أكاليل من الورود من رفاقه الحزبيين. واحد من الأمين العام خالد حدادة، وآخر من القيادة، وواحد أخير من الحزب. عدا أكاليل أسرتي إذاعة «صوت الشعب» ومجلة «الطريق»، وأكليل «اتحاد الشباب الديموقراطي اللبناني»- فرع الرويس. وحميمية الوداع، ذلك، تقاس في معرفة الناس بعضهم بعضاً. هذه القلة، تقريباً، لا تغيب عن بعضها. وهي، في الغالب، متقاربة في العمر. عدا كون الحاضرين، في الغالب، زملاء الثقافة والكتابة. وهذا مفهوم. قلة كانوا هم الشبان أمس. لكنهم، أيضاً، الأكثر حركة. إنشاد وتنظيم، وحمل أعلام وبقاء مطول عند القبر في آخر إتمامه.
لم تأخذ لحظات الوداع وقتاً قليلاً مقارنة بالطقوس الأخرى، بالرغم من أن مساحة المشي، بين المكانين، لم تكن مما يُحسب له حساب. سرعة الإجراءات رافقها تباطؤ في حركة المشيّعين وانفراط تجمعهم. بقوا إلى جانبه. هم وأهله. وتقبل التعازي المعتاد، كان سريعاً في مكان لا يمكنه أن يؤلف اجتماعاً. لكنهم، هكذا، في لحظات أخيرة.

السابق
تكريم الدكتور غابريال غريّب لتفوّقه في جراحة القلب في فرنسا
التالي
جثة في صيدا