رغبة في خوض تجربة جديدة، حُبّا بكسر الروتين… تتعدّد الأسباب والحماسة التي يبديها الشباب للتنظيم أو المشاركة في المخيّمات الصيفية التي لا تختلف من منطقة الى أخرى. وفي وقت تحتار فئة منهم في طريقة تمضية الإجازة، بعدما تسلّل الملل إلى أنشطتها كافّة، لا تزال المخيّمات التي تعدّها المنظمات الرسوليّة والجمعيات الكشفية تلقى إقبالا من الشباب، لا سيّما الملتزمون منهم.
العيش في جماعة
تعرّف الشاب إيليو الناكوزي (24 عاما) إلى منظمة الحركة الرسولية المريمية في العام 2006، ومنذ اليوم الأوّل حرص على المشاركة في مختلف المخيّمات التي تنظمها: "في ضوء مشاركتي المتكرّرة أيقنت أساليب جديدة في التفكير، فالعيش ضمن جماعة، يختلف عن الحياة اليوميّة". لا يدّعي ناكوزي من خلال إصغائه لهواجس مَن يلتقيهم من الشبيبة في المخيّمات، بأنه يقدّم إليهم الحلول السحرية: "لا شكّ في أنّنا لا نخترع البارود، إلّا أنّنا نسعى الى أن نكون علامة رجاء وأمل في غد أفضل، فالله دعانا كي نكون ملح الأرض ونور العالم".
تنظّم الحركة الرسولية المريميّة، أنواعا متعدّدة من المخيّمات الصيفية سنويّا، على نحو يطاول مختلف المراحل العمرية، بدءا من الأولاد مرورا بالشبيبة، وصولا إلى البالغين. في هذا السياق، يلفت رئيس مجلس عام الحركة الرسولية فادي عضيمي، إلى "أنّ هدف المخيّمات قد يختلف من مخيم إلى آخر، إلّا أنّ الغاية الأساسية واحدة وهي تنمية الإنسان على مختلف المستويات: الاجتماعي، الروحي والرسولي". ويتابع موضحا: "غالبا ما يترك المشارك في المخيّم البيئة التي اعتاد العيش في أجوائها ليختبر مناخا جديدا ويتعامل مع أشخاص لم يكن يعرفهم سابقا".
من خلال مشاركة العضو في المخيمات الرسولية، لا يتعلم المشارك فقط الخروج من حدود أنانيته لملاقاة الآخرين، بل تتعزّز لديه روح المشاركة، فيوضح عضيمي: "تحديدا في المخيّمات الرسولية التي تكون أكثر احترافية من غيرها، يعيش المشاركون اختبارا مزدوجا، لا سيّما أنّهم يتوافدون من مختلف المناطق اللبنانية، ليتبادلوا مع أهالي منطقة معينة خبراتهم، فيغتنوا منهم ويغنوهم في آن معا". في هذا الإطار، يشير عضيمي إلى أنّ الثمار التي يجنيها العضو من خلال مشاركته في المخيمات، تتخطى المستوى الفردي لتطاول الآخرين، "تحديدا في المخيّم الرسولي السنوي يتمّ العمل على ثلاثة مستويات: حَثّ الأولاد على إدراك إيمانهم المسيحي، التعاون مع الشبيبة ليجدوا مثالهم الأعلى الذي لا يخيّب آمالهم ويلبّي طموحاتهم أعني به يسوع المسيح، واللقاء مع العائلات لنؤكّد لهم أنّ أساس الزواج واتّساع الأسرة هو يسوع المسيح".
نظرا إلى أهمّية المخيّمات التي كانت الحركة الرسولية السبّاقة في إطلاقها منذ العام 1973، وحيال الصدى الإيجابي الذي تلاقيه من الشبيبة، استحدثت هذه المنظمة لجنة الانتشار المولجة متابعة البذور التي زرعها الشباب خلال المخيّم. ويقول عضيمي: "تعمل هذه اللجنة على مستويين، أوّلا البحث عن المناطق التي تحتاج إلى عمل رسولي وتنشيطها رعويّا، ثانيا السعي إلى تأسيس جماعة تحتضن أبناء البلدة إلى جانب الكنيسة والكاهن".
على رغم أجواء الفرح والمحبّة التي تكلّل المخيّمات الصيفية التي تنظّمها الحركة الرسولية، لا ينكر عضيمي وجود بعض المطبّات: "في ظلّ الأوضاع الاقتصادية الضاغطة، معظم الشبيبة يعملون صيفا لتأمين مصاريفهم، ما يشكّل تحدّيا أمام مشاركتهم"، ويضيف: "إلّا أنّ روح الله لا تزال تجذب هؤلاء على الدوام، على نحو يخصّصون فرصهم السنويّة للمشاركة في المخيّمات".
في هذا السياق، لا يخفي عضيمي صعوبة توافر المال وتغطية مصاريف المخيّمات كلها: "لا يمكن التهرّب أو تجاهل هذه المشكلة، إلّا أنّ في كلّ مرّة تعترينا المشكلات نردّد على الدوام "الله بدبّر".
من جهتها، تولي المفوضيّة العامّة لجمعيّة مرشدات الكشافة الأرثوذكسية زينا العمّار، أهمية كبرى للمخيّم الصيفي، "فهو يكلّل عمل الفرق والأفواج طوال العام. بعد عمل متواصل ولقاءات أسبوعية، يأتي المخيّم محطة تطبيقيّة على مستويات مختلفة منها: الكشفية، الدينية، الاجتماعية".
أمّا بالنسبة إلى الفوائد التي يكتسبها الشباب من خلال مشاركتهم، فتوضح العمّار: "لا شكّ في أنّ المخيّم الكشفي يعطي دعما معنويّا لأهالي المنطقة التي تحتضن المخيّم، وفي الوقت نفسه يشكّل مجالا حيّا ليختبر فيه الشاب نمطا جديدا من الحياة ينضح صحّة وحيويّة، وفرَحا، على نحو يقوّي شخصيته وينمي قدراته".
نحو بناء جسور التواصل
وردّا على سؤال يتعلق بطبيعة المشكلات التي تواجهها الجمعية في تحضيرها للمخيمات، تقول العمّار: "في صورة عامّة، الوضع السياسي والأمني لا يسمح لنا بالابتعاد عن المناطق التي تعرف بالشرقيّة، أو تلك التي يغلب عليها التواجد المسيحي، لا سيّما وأنّنا جمعية أرثوذكسية". بصرف النظر عن حجم هذه العثرة، تتمسّك العمّار بالجانب المملوء من الكوب: "الملفت في الأمر أنّ لدينا أفواجا في الجنوب، والبقاع الغربي، والشمال. وهذا يتيح لنا أن نتخطّى المشكلة الجغرافية ونبني جسور تواصل بين معظم القرى والبلدات، والتخييم في مناطق كنّا نعجز عن دخولها".
تعتبر العمّار أنّ ابتعاد الجمعية عن الشؤون السياسية والحزبية سيف ذو حدّين: "لا نحظى بتمويل مباشر من أيّ جهة سياسية، تأتينا المساعدات على نحو عفويّ من الكنيسة، إلّا أنّنا نحاول قدر المستطاع تأمين تمويلنا الذاتي من خلال نشاطات خاصة نقوم بها".
المخيم محطة سنوية
بهدف الاستمرار في استقطاب المزيد من المشاركين في المخيّمات الكشفية، تلفت العمّار إلى بعض التعديلات التي تلحظها الكشّافة في وضعها لرؤيتها المستقبليّة: "لا شكّ في أنّ طبيعة العمل واختيارنا المواضيع يتغيّر وفق احتياحات شبيبة اليوم، نحاول قدر المستطاع الوقوف على مسافة قريبة من احتياجات الشباب، والسعي الى اجتذابهم والإجابة عن تساؤلات يتعذر على الأهل والمدرسة الإجابة عنها".
تجد الشابّة باميلا خوند في مشاركتها في المخيم الكشفي متنفّسا لها: "في هذه الفرصة ملاذ آمن لتحقيق الذات والتعبير عن مكنوناتها، لا أنكر أنّني أجد صعوبة في المشاركة، إلّا أنّني أؤمن بأنّ على المرء التزام ما بدأ به، لا سيّما وأنّني في الجمعيّة منذ نحو 3 سنوات".
أمّا بالنسبة إلى سيلين مينا، فتعتبر مشاركتها في المخيم الكشفي محطة سنوية أساسية، لا مفرّ منها، فتقول: "يترك الشاب بيئته بدافع الفضول والتلذّذ بمغامرات جديدة، وسرعان ما يصادف أسرة جديدة تقف إلى جانبه وتدعمه، وهذا ما يمدّه بالاطمئنان ويزيد ولعه بتكرار تجربة المخيّم".
أيّا يكن حجم الثمار التي يجنيها الشباب من خلال مشاركتهم، أو الإجابات التي يقعون عليها، تبقى للمخيّمات لذّة لا يدرك حقيقتها مَن لم تسنح له فرصة المشاركة فيها.

