أظهر رصد أجرته «الدولية للمعلومات» وتنشره الشهر الحالي، أن عدد الأبنية المخالفة التي شيدت بين نهاية آذار ونهاية أيار الماضيين، يتراوح بين أربعة آلاف وسبعة آلاف وحدة سكنية.
واعتبرت «الدولية للمعلومات» أن استفحال حملة البناء الأخيرة، في كل من الضاحية الجنوبية لبيروت والجنوب، بدأ مع الإيعاز السياسي الذي تلقته المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي من جهة سياسية في صيدا، ثم اتخذت منحى تصاعدياً من قبل مناصري الجهة السياسية المناوئة.
وبيّن الرصد أن الجهات السياسية التي طلبت من «الأهالي» وقف البناء، خاصة منها ما يشكّل بعدما خطراً على سلامة الطيران المدني (خصوصاً في منطقة الأوزاعي)، كانت في الوقت ذاته تدعم تشييد الأبنية المخالفة، متسلحة بمقولة «المخالفات الكبرى وقعت في «سوليدير».
وتعرض الدراسة شروط إلزامية رخصة البناء وسبل الحصول عليها رسمياً، مجدولةً مساحات البناء المرخصة من العام ألفين حتى العام 2010. ويبيّن الجدول أن معدّل البناء المرخّص له قد ارتفع خلال إحدى عشر عاماً بنسبة 162 في المئة.
كما تتطرّق الدراسة إلى القانون الرقم 322 الصادر في العام 1994، الذي سمح للمهجّر، بغية تسهيل عودته، بالبناء من دون التقيّد بأحكام قانون البناء، لكن مع الالتزام بشروط محددة. لكن الإفادات، وفقاً للدراسة، أصدرتها وزارة المهجرين لأشخاص غير مهجرين، كما أن البناء لم يراع الشروط المحددة.
وتوجز الدراسة التسوية السياسية التي أبرمت في العام 1994، حول مخالفات البناء، معرجة على أنواع المخالفات وأشكالها بشكل عام، قبل طرحها سؤال عن صلاحية الرقابة على البناء: هل هي من صلاحيات الشرطة البلدية، أم قوى الأمن الداخلي؟ ومن هو المراقب اليوم؟
إلزامية الرخصة
نصت المادة الأولى من قانون البناء الرقم 646 تاريخ 11 كانون الأول 2004 (تعديل المرسوم الاشتراعي رقم 148 تاريخ 16 – 9 – 1983) على إلزامية الرخصة وفقاً للنص التالي: «يخضع تشييد وتحويل وترميم وتجديد الأبنية على اختلاف أنواعها للحصول على رخصة مسبقة تعطى وفقاً للنصوص النافذة وبالاستناد إلى موافقة الإدارات الفنية المختصة المبنية على كشف فني تجريه لهذه الغاية. إن طلب الرخصة المسبقة وخرائط البناء يجب أن تكون موقعة من المهندس المسؤول وفقاً لأنظمة مزاولة المهنة في نقابتي المهندسين، ومسجلة لدى إحدى نقابتي المهندسين في بيروت أو طرابلس…. الرخصة المسبقة إلزامية لجميع الأبنية حتى تلك العائدة لإدارات المؤسسات العامة والبلديات باستثناء الأبنية العامة العسكرية….»
مساحات البناء المرخصة
تمنح كل من نقابتي المهندسين في بيروت والشمال تراخيص بالبناء (لا تصبح قانونية إلا بعد موافقة دوائر التنظيم المدني) وتختلف المساحات المرخص بها بين سنة وأخرى مع الإشارة أن هذه التراخيص تنفذ إما مباشرة بعد الحصول عليها أو بعد ذلك وقليل جداً منها لا ينفذ. ويبين الجدول الرقم 1 مساحات البناء المرخص بها خلال السنوات الماضية حيث نتبين أنها سجلت في العام 2010 اكبر مساحة بارتفاع عن العام 2009 نسبته 22.7 %، كما ارتفعت خلال 11 عاماً (2000 – 2010) بنسبة 162 % ويبين الجدول الرقم 1 مساحات البناء المرخصة خلال الأعوام 2000 – 2010.
السماح للمهجر بالبناء
بغية تسهيل عودة المهجرين صدر القانون الرقم 322 تاريخ 24 – 3 – 1994 الذي سمح للمهجر بالبناء من دون التقييد بإحكام قانون البناء مع الالتزام بعدد من الشروط من أبرزها:
÷ أن يكون طالب الترخيص مهجراً على أن يثبت صفته هذه بإفادة صادرة عن وزارة شؤون المهجرين.
÷ أن ينشئ البناء على عقار يملكه وان يكون هذا العقار موجوداً بالفعل قبل تاريخ العمل بهذا القانون وان لا يكون قبل ناتجاً عن عملية فرز تمت بعد هذا التاريخ.
÷ أن لا يزيد عدد الطوابق الإجمالي، ومهما كان النص الذي يسمح بإنشائها، عن طابقين فوق مستوى الأرض النهائية بعد التسوية بما فيه طابق الأعمدة في حال وجوده، وان لا تتعدى مساحة كل طابق المئة وعشرين متراً مربعاً (120) م2 بما فيه الشرفات.
÷ تكون الرخصة معفاة من جميع الرسوم بما فيها رسوم التسجيل في نقابة المهندسين وتعطى لمالك العقار من قبل مهــندس من المديـــرية العامة للتنظيم المدني الذي تكلفه إدارته بهذه المهمة.
كما أجاز القانون للمهجر أن يعيد بناء مسكنه وفقاً لما كان عليه قبل التهديم دون أية إضافات أو تعديلات وفي حال كان البناء متعدياً على الأملاك العمومية يجب إزالة التعدي.
وحدد القانون مدة العمل به بسنتين. لكن الواقع كان خلاف النص القانوني في معظم الأحيان فالإفادات أعطيت في وزارة المهجرين لأناس ليسوا مهجرين. كما أن البناء لم يراع الشروط المحددة فمكان المنازل الصغيرة والمتواضعة في القرى شيدت طوابق عديدة ومنازل كبيرة، وبغية الإمعان في التجاوز وتغطية المخالفات تم تمديد العمل بهذا القانون 5 مرات كان آخرها بموجب القانون رقم 110 تاريخ 26 حزيران 2010 لمدة سنتين.
تسوية مخالفات البناء
بغية تسوية مخالفات البناء الكثيرة والكبيرة التي حصلت خلال فترة الحرب اللبنانية صدر القانون رقم 324 تاريخ 24 – 3 – 1994 الذي حدد طرق واليات لتسوية كل نوع من أنواع المخالفات بعضها عن طريق دفع الأموال وبعضها الآخر إذا كان متعدياً وغير قابل للتسوية عن طريق الهدم والإزالة. وهنا أيضا فان تطبيق هذا القانون كان جزئياً في مناطق محددة لا سيما المدن الكبرى، كما أن اللجوء إلى التسوية كان بغية الحصول على الوثائق والمستندات الرسمية والقانونية للأبنية المخالفة، فكانت التسوية ضرورية لذلك. ولم تكن خياراً لدى أصحابها.
مخالفات البناء عديدة وهي:
÷ بناء مشاد على أملاك خاصة ومستوف للشروط من حيث معدل الاستثمار إنما شيد من دون رخصة مسبقة وهذه أدنى المخالفات.
÷ بناء مشاد على أملاك خاصة وغير مستوف للشروط بحيث تتجاوز المساحة المبنية المعدل المسموح به مقارنة بمساحة الأرض، وهو مشاد من دون رخصة مسبقة.
÷ بناء مشاد على أملاك خاصة وغير مستوف للشروط ومتعد على أملاك عامة أو خاصة من دون رخصة.
÷ بناء مشاد على أملاك عامة من دون رخصة وهذا غير قابل لأي تسوية.
÷ بناء مشاد على أملاك خاصة بموجب رخصة قانونية ولكن التنفيذ تجاوز الرخصة سواء من حيث المساحة أو الشكل والتنظيم وهذه مخالفة غالباً ما تتم عن طرق دفع الرشوة للعناصر الأمنية المولجة مراقبة أعمال البناء.
الرقابة على البناء صلاحية من؟
من المفترض أن تقوم الشرطة البلدية كل من نطاقها بأعمال الرقابة على أشغال البناء ومدى توفر الرخصة القانونية وانطباق الأعمال على الشروط المحددة في الرخصة وعدم مخالفتها، ولكن نتيجة النقص البشري في عديد هذه الشرطة حلت مكانها عناصر من قوى الأمن الداخلي والدرك. لكن هذا لم يمنع المخالفات الظاهرة في جميع المناطق والروايات كثيرة عن تقاضي أفراد من قوى الأمن رشاوى لتسهيل أعمال البناء وتجاوز القانون.
عندما تسلم الوزير زياد بارود مهام وزارة الداخلية والبلديات في العام 2008 اصدر قراراً طلب فيه من عناصر قوى الأمن الداخلي عدم متابعة أشغال البناء وترك الأمر في عهدة البلديات. ما أدى إلى فوضى وانتشار كبير للأبنية المخالفة نتيجة عجز أو تواطؤ الشرطة البلدية والبلديات مع المخالفين، ما أدى إلى عودة الوزير عن قراره بعدما ارتفعت عشرات الأبنية المخالفة.
المخالفات الأخيرة
لأسباب سياسية وانتخابية، طلبت فعاليات سياسية في مدينة صيدا من المدير العام لقوى الأمن الداخلي الإيعاز لعناصر هذه القوى في منطقة البيسارية قرب الصرفند عدم وقف أعمال البناء التي يقوم بها أهالي حي يارين (تهجر هؤلاء من بلدتهم يارين الحدودية في العام 1978 وشيّدوا منازلهم على الأملاك العامة في بلدة البيسارية) وهو ما اتخذه الأهالي في المناطق الجنوبية وفي الضاحية الجنوبية لبيروت بشكل أساسي كذريعة للقيام بأعمال البناء من دون تراخيص سواء في أملاكهم الخاصة أو على الأملاك العامة أو تشييد طوابق إضافية فوق منازلهم المشادة على الأملاك العامة.
وتعددت وتنوعت المخالفات التي اختلفت التقديرات بشأنها ما بين أربعة آلاف وسبعة آلاف وحدة سكنية خلال الفترة ما بين نهاية آذار ونهاية أيار.
لكن بعض هذه المخالفات خاصة قرب المطار شكلت خطراً على سلامة الطيران ما دفع بالقوى السياسية إلى منح موافقتها للقوى الأمنية لإزالة المخالفات الخطرة بينما بقيت سائر المخالفات عصية على الإزالة، القوى السياسية التي رفضت المخالفات والتعديات وطالبت القوى الأمنية بإزالتها كانت تقف في الجهة الأخرى داعمة مؤيدة لأعمال البناء المخالفة بغية كسب الشعبية خاصة وان وسائل الإعلام التابعة لهذه القوى كانت تروج لمقولة «مخالفات في كل لبنان في الجنوب والضاحية والمخالفات الكبرى في سوليدير».
وإزاء استفحال هذه الموجة وتهديد المواطنين في المناطق اللبنانية باللجوء إلى أعمال البناء من دون ترخيص، طلب المدير العام لقوى الأمن الداخلي (من دون أن تكون له الصلاحية بذلك) من البلديات منح تراخيص البناء من قبل البلديات ولا تزيد المساحة عن 120 مترا مربعا، مستثنياً من ذلك محافظة جبل لبنان.
وتستخدم مخالفات وتسويات وقوانين لا يعمل بها من هذا النوع، لتغطية مخالفات البناء ما يجعل في المستقبل صعوبة كبيرة في العيش في الأحياء التي شهدت البناء المخالف وغير المنظم.

