قراءة في خطاب السيّد

التحوّل الكبير، كما يفهمه حزب الله، ينطلق من خلفية سياسيّة واضحة مفادها أنّ الدول التي تموّل المنظمات الإرهابيّة قد سمحت بتحويل نشاطها الى لبنان، وهذا تحوّل خطير يقاربه الحزب من منطلقين، الأول: أنّ الدول التي تعارض الدور الإقليمي الذي يؤديه على الساحة السورية، أو في البحرين، أو في دول أخرى، قد قررت نقل المعركة الى عقر داره، وممارسة شتى الضغوط الموجعة عليه لحمله على الإنسحاب من سوريا، وإعادة النظر في حساباته بعدما قرر إختطاف لبنان رهينة لمواجهة العالمين العربي والدولي دفاعاً عن خياراته المبرمجة إيرانيّاً.

والثاني: أن موقف دول مجلس التعاون الخليجي منه، وكذلك دول الإتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة الاميركية، ومن معها، ليس مجرد ترف سياسي، بل هناك خريطة طريق مرسومة أهدافها واضحة، وأبرز تلك الأهداف يتمثّل بمنع الحزب من التحوّل قوةً إقليميّة وازنة يحسب لها حساب عند إعادة ترتيب أوضاع المنطقة، وتستخدمها طهران، وتسيّرها، وتوظفها لتنفيذ مخططاتها في المنطقة والخليج.

حاول الأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصرالله، ومن خلال خطابه الأخير أن “يلعبها صولد”. كان كلامه برسم الخارج والداخل معاً، حذّر من “عرقنة لبنان”، من خلال إلإنعطافة العراقيّة في خطابه، وإسترساله التذكيري بما يجري في بلاد ما بين النهرين من سيارات مفخخة، و”نشاطات” إرهابيّة.

وأكدّ في المقابل السعي المصمم للإمساك بزمام المبادرة، بمعنى أنه يرفض أن يبقى حزبه، ومربّعه الأمني في موقع الإستهداف، ويصرّ على أن يكون هو المبادر الى إجتثاث من سمّاهم “التكفيرييّن”، وهذا يعني أنه يتعاطف مع الدول التي يتهمها علانية بأنها قررّت نقل النزاع الى الساحة اللبنانية. إنّ ما أعلنه يعني فتح جبهة ثالثة في الداخل، بعد “جبهتَي” إسرائيل وسوريا.

ديبلوماسيّاً، توقفت البعثات المتابعة عند إشارتين بارزتين في خطاب نصرالله: الإشادة بالمؤسسة العسكريّة، وقادتها، ورموزها، والإيحاء بوجود تنسيق، وتعاون، وربط محكَم بين البيان الذي صدر عن وزير الدفاع فايز غصن صبيحة ذلك اليوم، والذي كشف فيه بالأسماء والوقائع عن نشاطات بعض الشبكات الإرهابيّة، وبين خطاب نصرالله أصيل ذلك النهار، والذي إستند في محطات كثيرة منه الى ما أورده بيان وزير الدفاع، وكأن هناك تنسيقاً محكماً، وتوزيع أدوار ما بين الحزب، وتيار “المردة” في الإستفادة من المنصب الوزاري في وزارة الدفاع، و”إستثمار” المعلومات التي تصله من مديرية المخابرات، والأجهزة المختصة، وتوظيفها سياسيّاً لمصلحة الحزب وخياراته الداخلية والخارجيّة.

إنّ هذا “التصرّف” كان موضع عناية، ودرس، ومتابعة لدى البعثات الديبلوماسية، لإستخلاص العبر ـ الحقائق، خصوصاً أنّ دولاً قد قررت بعد الحملة السياسيّة الأخيرة التي إستهدفت المؤسسة العسكريّة، تسليح الجيش، وتعويضه النقص الذي يعاني منه في بعض النواحي اللوجستيّة، لكن بعد “التناغم” الذي حصل في المواقف، وتوزيع الأدوار، ما بين الحزب، ووزارة الدفاع، برز توجّه لدى هذه الدول يقضي بالتريث، كونها ترفض أن تصبح المؤسسة العسكريّة تحت وصاية الحزب، وإن كان الهدف المشترك مكافحةَ الإرهاب، كذلك ترفض أن يتحول السلاح ليظهر بعد فترة في أيدي أنصار الحزب ومقاتليه؟!.

أما النقطة الثانية، فتتصل بالمخيمات، وضرورة إستخلاص بعض الدروس من أحداث عبرا الأخيرة، ودخول منطقة التعمير على خط القتال الى جانب أنصار الشيخ أحمد الأسير.

هناك في الوسط الديبلوماسي من يؤكد أنّ المعركة المقبلة ستكون بين الحزب وبعض المخيمات الفلسطينيّة التي تحوّلت “محميّات” للأصوليين المتطرفين و”الجماعات التكفيريّة”.

وهذه المعركة “مطلوبة” لفتح ملف التوطين الفلسطيني في لبنان، ولنسف المفاوضات الفلسطينية ـ الإسرائيليّة في واشنطن، كونها تجري بمعزل عن إيران، وسيترتب عليها، في حال نجاحها، كثيراً من التداعيات السلبية على الدور الإيراني في المنطقة والخليج، وهذا ما ترفضه طهران التي تصرّ على الإحتفاظ بكل أوراقها الفلسطينية، واللبنانية، والسورية، والعراقيّة، والبحرينيّة، قبل أن تجلس الى طاولة المفاوضات مع واشنطن حول كل الملفات العالقة. وإنّ زيارة الوفد الفلسطيني لمنطقة الرويس المنكوبة، كانت غنيّة بالخلفيات؟!.

محليّا، لا تزال الحركة الإرتدادية على خطاب السيّد خجولة، لكنها واقعة حتماً، ولا يمكن المرور بما أعلنه مرور الكرام، هناك إجتماعات، ولقاءات، وإتصالات تتمّ في السرّ والعلن، هدفها واحد، حماية لبنان، ومنع “عرقنته”، والوقوف بقوّة ضدّ المحاولات الرامية الى نقل النزاع الى الداخل، والتعويل على الدور الوطني الإنقاذي الكبير الذي يمكن أن يلعبه رئيس مجلس النواب نبيه بريّ وكثير من الحكماء قبل فوات الأوان.

السابق
انفجار الرويس: لا انتحاري ولا موقوفين
التالي
إجراءات أمنية غير مسبوقة في الضاحية