زياد الرحباني… رجل واحد بشخصيّات كثيرة

ليس سهلًا أن تحدّد نقطة الانطلاق للكتابة عن زياد الرحباني: هل من مواقفه السياسية المثيرة للجدل، أم من هويّته الموسيقية، أم من مقابلاته التي ينتظرها الناس بلهفة تفوق انتظار خطابات الزعماء العرب الكبار؟

سنة على رحيل زياد الرحباني، ابن الكبيرين: الموسيقي عاصي الرحباني والسيّدة فيروز، التي تختصر بصوتها قسمًا كبيرًا من تاريخ لبنان الفنّي. ورغم إجماع معظم اللبنانيين على حبّ هذا الرجل وتقدير عطاءاته في المسرح والموسيقى والغناء، تبقى هناك نقطة شفّافة تفصل بين شخصيات زياد وتمظهراتها في الوعي الجماعي اللبناني.

زياد الرحباني تميّز بأسلوبه الموسيقي المتفرّد الذي مزج بين الموسيقى الشرقية والجاز (رويترز)

قلّة هم من يستنفرون حين يُذكر اسمه، لكنّ كثيرين منّا يميّزون بين «الزياديّات» التي تركها زياد الرحباني لنا. فزياد الموسيقي له الفضل الأكبر في التجديد في «الخطاب الغنائي الفيروزي»، آخذًا فيروز من مرحلة الطرب والالتزام والفصاحة إلى المرحلة «اللبنانية الرومانسية»، التي تمظهرت في عدّة أغنيات احتاجها اللبنانيون خلال الحرب الأهلية وبعدها، تلك الحرب التي فرّقتهم وتركت في صدورهم الألم والفقد والتشرّد.

من «سألوني الناس» مرورًا بـ«كيفك إنت» وصولًا إلى «وحدن»، التي كتبها الشاعر الكبير طلال حيدر ولحّنها زياد، الأغنية التي تحمل ألف وجه ووجه، وتصلح لأن تكون رومانسية وعاطفية وقومية ووطنية ورمزية.

زياد الرحباني مع والدته السيّدة فيروز- تصوير ليال الرحباني

مسرح يضع الملح على الجرح

زياد في المسرح لم يكن أقل من محمد الماغوط وصلاح عبد الصبور وسعد الله ونّوس، كبار شرّحوا الوطن والمجتمع ووضعوا ملحًا على جرح التجربة الإنسانية في الوطن العربي.

لكن زياد كان مختلفًا. لم يكتفِ بخلق مرآة تعكس الواقع، وهي وظيفة الأدب عمومًا، على حدّ تعبير هدسن (والمسرح شكل من أشكال الأدب)، بل حاول ابتكار معجم خاص به؛ عبارات تصلح لأن تكون في معجم «فنّ الردّ»، وأخرى تصلح لأن تكون ناطقة بألسنة أناس يردّدونها دون تكلّف وبعفوية.

ملصق مسرحيّة بالنسبة لبكرا شو- 1978

“ما تقلي طول بالك… هيك أطول شي”

“أليس في كل ثانية من الحياة إنسان يضحك؟ إذن في الأرض ضحكٌ متواصل» (من كتاب «صديقي الله»).”

“الله خلقك إنسان، ليه مصرّ على الحيونة؟”

“ناس بينهم وبين الفهم سوء فهم.”

عبارات لا تحتاج إلى تمحيص وعصف ذهني؛ هي أشبه بـ«Puzzle» يمكن حلّه من خلال التقاط سريع وخاطف لمفردات الناس الشعبية العامية. وهذا ما يفسّر الإقبال الكبير على مسرح زياد الرحباني.

السياسة… حين تقطّع زياد إلى شخوص

الخطّ المختلف عن والديه وعمّيه منصور وإلياس، الذي اتخذه زياد الرحباني، لم يقتصر فقط على الموسيقى، بل شمل المجتمع والحياة والسياسة كذلك.

السياسة مزّقت زياد الرحباني إلى قطع غير متساوية وغير متشابهة، بدءًا من اليساري البروليتاري الشيوعي، مرورًا بيساري «حزب الله»، حيث دافع بشراسة عن حزب قاتل أطفال سوريا ونساءها، ودافع عن نظام اشتراكي ديكتاتوري، مرورًا بالكتابة في جريدة ناطقة باسم الحزب، وصولًا إلى البراغماتية التي ظهرت في آخر فصل من حياته، حيث بدأ يظهر في مقابلات يحاول فيها إظهار محبّته لمسؤولين في تيار المستقبل وغيره من الأحزاب التي وصفها بأحزاب السلطة واتّهمها بالفساد.

مع والديْه الموسيقار عاصي الرحباني والسيّدة فيروز-أرشيف

كلّ ذلك بعد إطلالات لا بأس بها على قنوات أيديولوجية دينية مثل «المنار»، وديماغوجية مثل “الميادين”.

نعم، قسّمته السياسة إلى قطع متناقضة وغير متشابهة، وحوّلته أخيرًا إلى قطعة واحدة صغيرة تعاني آلام الظهر والوحدة، التي تحايل عليها مرارًا بإيهام جمهوره باقتراب زواجه.

الأم، الأخت، والبيت

علاقته بالسيدة فيروز، المتشنّجة، صدّعته. تركته دائمًا يردّد أنّه ترك البيت في صغره بسبب مشاجرات عاصي وفيروز، ونسب إليها مواقف سياسية وعواطف تجاه الأمين العام السابق لحزب الله السيد حسن نصرالله، فضلًا عن مشاجرات لا تنتهي مع ريما، ولو كانت تحت الرماد.

كتب زياد الرحباني الفصل الأخير من حياته بلغة المصالحة. صالح الأحزاب كلّها، وصالح والدته وشقيقته، ووقّع معها بيانًا يتعلّق بعدم التصرّف بإرث الرحابنة وفيروز الموسيقي والغنائي دون إذن مسبق وغاب.

حتى خلال موته كان صامتًا، تمامًا كما صمت حين وُلدت ثورة 17 تشرين وحين ماتت، وكما فعل بعد حادثة تُروى له في بلدة قانا، حين منعه الحزب من الغناء، فهاجمهم وصمت ولم يستأنف الهجوم.

من إطلالته على قناة المنار- 29 حزيران 2018

من الجزء إلى الكل

الثابت أنّ زياد يُحبّ من الجزء إلى الكلّ، أي وفقًا للنظرية البنائيّة في الإدراك الحسّي. يمكن تفكيك شخوصه في المسرح والموسيقى والسياسة وبناء الموقف على أساسه.

كثيرون يحبّون زياد ككلّ، لكن القراءة الأدق لهذه الحالة الفنية تبدأ من إعطاء مواقف واضحة من أجزائه في السياسة والفن والمسرح والصحافة.

خلال تشييع زياد في تمّوز 2025- نصوير أنور عمرو (getty images)

أطفأ زياد اليوم شمعة غيابه الأولى، ويبقى أثره الموسيقي والغنائي أكبر من أن يُحصر في جسد أو في فضاء واحد.
ويبقى ان اسم زياد افتتح اسقاط اسماء آل الاسد عن شوارع لبنان حين اطلق على جادة حافظ الاسد اسم زياد الرحباني.

السابق
اعتداءات تُخرج الجيش اللبناني عن صمته.. بالفيديو: انفجارات متلاحقة تهز جنوب لبنان وتطور لافت في «علي الطاهر»
التالي
تحرك سياسي لافت وتمايز عن حزب الله.. نبيه بري في زيارة مرتقبة إلى قصر بعبدا