الضفة الغربية على فوهة بركان.. «عقوبات جماعية» وتطويق شامل للمدن والمستوطنون يتوعدون بموجة انتقام

الجيش الاسرائيلي الضفة

تواجه الضفة الغربية المحتلة واحدة من أعنف موجات التصعيد الأمني والعسكري منذ أشهر، حيث تحولت قراها وبلداتها إلى ثكنات عسكرية مغلقة بفعل إجراءات الخنق الإسرائيلية المششدة. وتأتي هذه التطورات الميدانية المتلاحقة في أعقاب الاشتباكات الدامية التي شهدتها بلدة «تل» جنوب غربي نابلس، والتي أسفرت عن مقتل أربعة فلسطينيين وجنديين إسرائيليين خلال تصدي الأهالي لهجوم مسلح شنه المستوطنون، مما فجّر سلسلة من القرارات الانتقامية الرسمية الصادرة عن حكومة بنيامين نتنياهو، وسط تحذيرات أمنية محلية ودولية من خروج الأوضاع عن السيطرة بالكامل.

فلسطينيون يستعيدون أغراضاً من منزلهم الذي أحرقه مستوطنون في قرية سارا قرب نابلس السبت (إ.ب.أ)

حصار مطبق وعقوبات جماعية.. الضفة مقطوعة الأوصال

تنفيذاً لأوامر مباشرة أصدرها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، أطلق الجيش الإسرائيلي عملية عسكرية واسعة ومكثفة شملت تدابير عقابية جماعية قاسية بحق المواطنين الفلسطينيين، وجاءت معالم هذا الحصار وفق الآتي:

  • خنق المدن والبلدات: فرضت قوات الاحتلال طوقاً أمنياً شاملاً على محافظة نابلس، وأغلقت عشرات المداخل الحيوية والطرق الرئيسية بالبوابات الحديدية والسواتر الترابية والحواجز العسكرية، مما أدى إلى شلل كامل في حركة التنقل بين محافظات نابلس، قلقيلية، طولكرم، سلفيت، وطوباس، في حين شهدت محيط رام الله اختناقات مرورية حادة واضطرابات معقدة.
  • حملة اعتقالات مسعورة: نفذ الجيش الإسرائيلي حملة مداهمات واسعة اعتقل خلالها عشرات المواطنين، وتركزت الحملة الأكبر في بلدة «تل» التي تحولت إلى ثكنة عسكرية، حيث جرى اعتبار نحو 30 مواطناً رهن التحقيقات الميدانية القاسية. وطالت الاعتقالات الأخرى 14 مواطناً من رام الله، و5 من جنين، و8 من الخليل، و3 من بيت لحم، و6 من طولكرم، ومواطناً من القدس، ليرتفع عدد حالات الاعتقال منذ بداية العام الحالي إلى 3600 حالة.
  • سياسة الانتقام الهيكلي: أعلن نادي الأسير الفلسطيني أن هذه الحملات تأتي في إطار «سياسة العقاب والانتقام الجماعي» ضد المواطنين الذين تصدوا لاعتداءات المستوطنين لحماية قراهم وأراضيهم، في حين توعد نتنياهو بهدم منزل عائلة أحد الفلسطينيين المشاركين في مواجهة بلدة «تل»، مكملاً الإجراءات بقرار تسريع إقرار وتوسيع المستوطنات والبؤر العشوائية.

اعتداءات المستوطنين.. إحراق منشآت وخط شعارات عنصرية

بالتوازي مع إجراءات الجيش، صعّد المستوطنون من هجماتهم الميدانية المنظمة تحت غطاء وحماية من المؤسسة العسكرية والسياسية الإسرائيلية:

فلسطينيون يستعيدون أغراضاً من منزلهم الذي أحرقه مستوطنون في قرية سارا قرب نابلس السبت (إ.ب.أ)
  • الهجوم على بلدة «كفر مالك»: اقتحم مستوطنون متطرفون مصنعاً لقص الحجر «كسارة» في منطقة عين سامية شرق بلدة كفر مالك برام الله، واعتدوا بالضرب المبرح على العمال مما أسفر عن إصابتهم برضوض وجروح مختلفة، قبل أن يضرم المستوطنون النار في معدات ثقيلة داخل المصنع وينسحبوا تحت حماية الآليات العسكرية.
  • إحراق شاحنة وبؤر جديدة: أقدم مستوطنون على إحراق شاحنة فلسطينية قرب نابلس، وهدموا جدران منزل ودمروا محتوياته شرق الخليل، فيما سارعوا إلى إقامة بؤرتين استيطانيتين جديدتين في شمال ووسط الضفة الغربية، ترافق ذلك مع خط شعارات عنصرية تدعو إلى «الانتقام والثأر من العرب».
  • إحصائيات دموية: هاجم المستوطنون أكثر من 15 قرية فلسطينية في ليلة واحدة، وتوعدوا بمزيد من الهجمات الدموية، علماً بأن اعتداءاتهم منذ بداية العام الحالي أسفرت عن مقتل 21 فلسطينياً، في حين تشير التقديرات إلى مقتل 1097 فلسطينياً برصاص الجنود والمستوطنين بالضفة منذ السابع من أكتوبر 2023.
جنديان إسرائيليان يعتقلان فلسطينياً في قرية تل قرب نابلس السبت (أ.ب)

اعترافات وتقييمات إسرائيلية.. لجان الحماية تؤرق الاحتلال

أثارت الأحداث الأخيرة حالة من الإرباك والتحذيرات المتبادلة داخل المنظومة الأمنية والإعلامية الإسرائيلية حول فشل استراتيجية قمع القرى الفلسطينية:

  • تحدي البؤر العشوائية: أقر مسؤول عسكري إسرائيلي كبير في إحاطة للصحافيين بأن البؤر الاستيطانية غير القانونية والمزارع الرعوية البالغ عددها 126 مزرعة، والتي تمثل منطلقاً لهجمات المتطرفين، باتت تشكل «أكبر التحديات الهائلة» التي تواجه قدرة الجيش في الميدان.
  • ظهور لجان الحماية المحلية: كشف المحلل العسكري روي شارون عبر هيئة البث العبرية «كان» أن قيادة الجيش حددت وجود نحو 70 «لجنة حماية محلية» شكلها الفلسطينيون في قراهم بعدما أدركوا أن الجيش الإسرائيلي لا يحميهم وأن السلطة الفلسطينية غائبة عن المناطق «ب» و«ج»، مؤكداً أن مخاوف الضباط من انفجار الأوضاع بدأت تتحقق ككارثة حتمية نتيجة تواطؤ الجيش مع المستوطنين.

استنفار دبلوماسي.. واشنطن تحظر تنقلات موظفيها

أمام هذا التدهور المتسارع وضبابية المشهد الميداني، دخلت الأطراف الدولية على خط التحذير المباشر:

  • تحذير أمني أميركي: أصدرت سفارة الولايات المتحدة الأميركية في القدس تحذيراً أمنياً عاجلاً وحازماً، حظرت بموجبه بشكل كامل جميع التنقلات والزيارات الخاصة لجميع موظفي الإدارة الأميركية وأفراد عائلاتهم إلى كافة مناطق الضفة الغربية المحتلة حتى يوم الأحد المقبل، وعزت السفارة هذا القرار إلى المخاوف الأمنية المتزايدة وعدم استقرار الأوضاع الميدانية على الأرض.
جندي إسرائيلي يفتش فلسطينياً في قرية تل قرب نابلس السبت (أ.ب)

وتؤكد المعطيات الراهنة في الضفة الغربية أن محاولة حكومة نتنياهو تفريغ شحنات الغضب والاستعراض العسكري عبر فرض حصار خانق على المدن الفلسطينية واعتقال المئات لن تفلح في كبح جماح الانفجار القادم، بل تعجل به. إن تشكيل الفلسطينيين لـ «لجان حماية شعبية» للدفاع عن أنفسهم في وجه اعتداءات المستوطنين يمثل تحولاً استراتيجياً في قواعد الاشتباك الميداني، وهو أمر يضع المنطقة أمام أسبوع يوصف إسرائيلياً بأنه سيكون «الأكثر عنفاً»، وسط تساؤلات جدية عما إذا كانت الضفة قد انزلقت فعلياً نحو انتفاضة شاملة يصعب احتواؤها بالوسائل الأمنية التقليدية.

السابق
وزير الخارجية يعلن بدء انتشار الجيش في «المناطق التجريبية» ويؤكد: غالبية اللبنانيين وشريحة شيعية متنامية يرفضون السلاح غير الشرعي
التالي
الجيش الإيراني يحذر واشنطن من «خديعة صهيونية» وعراقجي يقر باستهداف القواعد الأميركية كـ «حق دفاع مشروع»