يواجه جنوب لبنان منعطفاً دولياً ودبلوماسياً هو الأكثر خطورة منذ عقود، حيث بات مستقبل وجود قوة الأمم المتحدة المؤقتة (اليونيفيل) على المحك مع اقتراب موعد انتهاء ولايتها. وفي خطوة تعكس تحولاً جذرياً في السياسة الخارجية الأميركية، كشفت معطيات دقيقة عن قرار حاسم من واشنطن بإنهاء عهد “التفويضات المفتوحة” للقوات الدولية، في وقت يخوض فيه لبنان الرسمي حراكاً مكثفاً لحماية الحضور الأممي أو إيجاد بدائل عسكرية تضمن مواكبة ترتيبات وقف إطلاق النار وتثبيت انتشار الجيش اللبناني في المناطق الحدودية.
الموقف الأميركي الحاسم.. «صفر بالمئة» فرصة للتمديد
ونقلت مراسلة ومديرة مكتب قناة «الشرق» في واشنطن، هبة نصر، تصريحات مباشرة وعالية النبرة عن مسؤول أميركي رفيع المستوى، وتتلخص التوجهات الأميركية الحالية في النقاط التالية:
- حظر التمديد المطلق: أكد المسؤول الأميركي الرفيع أنه “لا توجد أي فرصة على الإطلاق، بنسبة صفر بالمئة، لتمديد ولاية قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل)”.
- إنهاء التفويضات المفتوحة: شدد المصدر على أن الإدارة الأميركية تدرس حالياً وبشكل جدي خيارات المرحلة التي تلي انتهاء مهمة القوات الدولية، جازماً بأنه “لن تكون هناك بعد اليوم أي تفويضات مفتوحة للأمم المتحدة” في المنطقة.
- الطلب اللبناني: أوضحت المؤشرات أن الجانب اللبناني هو من تقدم رسمياً بطلب تمديد مهمة اليونيفيل، محاولاً الإبقاء على المظلة الدولية في الجنوب، وهو ما قوبل بالفيتو الأميركي الصارم.
بعبدا تتحرك.. الرئيس عون يطرح خيار «القوة البديلة»
في المقابل، شكلت هذه التطورات الدولية محور تحرك عاجل لرئيس الجمهورية اللبنانية جوزاف عون، الذي أكد خلال استقباله في قصر بعبدا سفيرة الاتحاد الأوروبي ساندرا دي وال (Sandra De Waele) برفقة وفد موسع من سفراء وقائمين بالأعمال لدول الاتحاد، على المقاربة اللبنانية الشاملة لمواجهة هذا الاستحقاق:
- بديل اليونيفيل: أعلن الرئيس عون بوضوح أن “بقاء اليونيفيل هو الوسيلة الأمثل في المرحلة المقبلة، وإذا تعذر ذلك فإنه يجب إنشاء قوة بديلة للحلول مكانها”، لضمان عدم حدوث فراغ أمني على الحدود.
- صيغة الإطار واستقرار المنطقة: دعا الرئيس عون الاتحاد الأوروبي إلى تقديم دعم مطلق لتطبيق “صيغة الإطار” الخاصة بالحل، منبهاً إلى أن استقرار لبنان يعد ركيزة أساسية ينعكس الحفاظ عليها مباشرة على استقرار دول المنطقة بأسرها.
- قمة ترامب والإصلاحات: كشف الرئيس اللبناني أن لقاءه الأخير بالرئيس الأميركي دونالد ترامب كان “مثمراً”، معتبراً أن الوقت قد حان لإنهاء الحرب نهائياً، ومجدداً التزام لبنان بمسار الإصلاحات الهيكلية لبناء الدولة رغم ظروف الحرب المستمرة.
المواقف الدولية والخيارات المطروحة لما بعد القوات الدولية
أمام هذه المعطيات، عبّرت سفيرة الاتحاد الأوروبي ساندرا دي وال عن دقة المرحلة بالقول إن لبنان يقف اليوم عند مفترق طرق وبداية فصل جديد، مؤكدة دعم الاتحاد الكامل له في مسار الأمن والاستقرار وتطبيق الإصلاحات.
ويأتي الموقف الأوروبي وسط تباينات حادة بين القوى الكبرى في مجلس الأمن الدولي حول شكل ومستقبل الحضور الأممي؛ إذ تُصر الولايات المتحدة الأميركية على الرفض المطلق للتجديد، معترضة على استمرار التفويضات التقليدية دون فاعلية، وتتجه بدلاً من ذلك نحو دراسة خيارات بديلة ترتكز على الترتيبات الأمنية المباشرة ودعم الجيش.
وفي المقابل، تتمسك الدولة اللبنانية باليونيفيل كغطاء شرعي ضروري، مع إبداء مرونة لطرح إنشاء قوة دولية بديلة بالتزامن مع تسريع انتشار الجيش اللبناني على الحدود لمواكبة وقف إطلاق النار، بينما يركز الاتحاد الأوروبي جهوده للضغط باتجاه تطبيق “صيغة الإطار” وتوفير غطاء للمرحلة الانتقالية خشية حدوث أي فراغ أمني قد يهدد الاستقرار الإقليمي.
ويفتح الموقف الأميركي الصارم الباب واسعاً أمام تساؤلات معقدة حول طبيعة الآلية العسكرية التي ستعتمد لمواكبة الآليات الأمنية المستقبلية في جنوب لبنان. ورغم المساعي الرسمية التي يقودها رئيس الجمهورية جوزاف عون لطرح خيار “القوة البديلة” وتأكيد سفراء الاتحاد الأوروبي على دعم الاستقرار، فإن إسقاط واشنطن لورقة اليونيفيل بنسبة “مئة بالمئة” يفرض على بيروت واقعاً جديداً يتطلب الإسراع في تمكين الجيش اللبناني ليكون القوة الوحيدة والأساسية القادرة على ملء الفراغ الدولي المرتقب وحماية الحدود السيادية.

