كشف تحقيق موسع نشرته صحيفة «الشرق الأوسط» عن منظومة مالية موازية أنشأتها أحزاب وفصائل عراقية للاستحواذ على حصص من العقود الحكومية وعائدات الدولة، عبر شبكات تعمل داخل الوزارات والمصارف والبلديات ومجالس المحافظات، من دون أن تحمل صفة رسمية أو تترك توقيعات مباشرة تقود إلى قادة الأحزاب.
وبحسب التحقيق، تُعرف هذه الشبكات باسم «المكاتب الاقتصادية»، وهي لا تعمل كمكاتب تقليدية، بل كمنظومة مترابطة تضم مسؤولين حزبيين وموظفين حكوميين ووسطاء ومقاولين وأصحاب شركات ومكاتب صيرفة.
ويقدر الخبير الاقتصادي صادق الركابي وجود نحو 40 شبكة مرتبطة بالأحزاب، تمتلك قرابة 200 خلية نفوذ داخل مؤسسات الدولة، وترتبط بأكثر من ألف شركة واجهة أو مقاول.

وتستحوذ هذه الشبكات، بحسب تقديراته، على نحو 10 في المائة من الموازنة العراقية، بما يقارب 15.3 مليار دولار سنوياً، من دون احتساب الأموال الناتجة عن تهريب المشتقات النفطية أو الاستحواذ على أصول القطاع الخاص.
مستويان داخل المنظومة
تعمل «اقتصاديات الأحزاب» على مستويين. يضم المستوى الأول قادة الأحزاب وكبار الشخصيات السياسية الذين يسيطرون على المناصب والوزارات ويقررون توزيع العقود ونسب الأرباح.
أما المستوى الثاني، فيضم المسؤولين التنفيذيين والوسطاء والمقاولين وأصحاب مكاتب الصيرفة الذين يتولون تمرير العقود وإنجاز المعاملات وتسليم الأموال.
وتشير شهادات مسؤولين ومحققين سابقين إلى أن معظم المعتقلين في الحملة الأمنية الأخيرة ينتمون إلى المستوى الثاني، فيما لم تصل التحقيقات حتى الآن إلى الحلقة العليا التي تضم قادة الشبكات والمستفيدين الكبار.

وتبدأ إعادة توزيع النفوذ الاقتصادي بعد كل انتخابات، حين تتحول المقاعد البرلمانية إلى نقاط تفاوضية للحصول على الوزارات والهيئات والمناصب الخاصة. ولا يقتصر الصراع على اختيار الوزراء، بل يشمل السيطرة على عقود المؤسسات التي سيتولون إدارتها لأربع سنوات.
وقال مسؤول سابق إن فريقاً تابعاً للمكتب الاقتصادي للحزب يبدأ، منذ الأسابيع الأولى لتسلّم الوزير منصبه، التفاوض على عقود الوزارة، فيما يُطلب من الوزير أو وكيله توقيع العقود بعد اكتمال التفاهمات.
ثلاث مراحل لتطوير الفساد
مرت المنظومة بثلاث مراحل رئيسية منذ عام 2004.
في المرحلة الأولى، كانت الأحزاب تستحوذ على العقود الحكومية ثم تحيلها مباشرة إلى شركات تتولى التنفيذ، مقابل حصة قد تصل إلى 30 في المائة من الأرباح.
وفي المرحلة الثانية، أنشأت الأحزاب شركات خاصة بها بعدما أدركت أن بيع العقود يحرمها من أرباح أكبر. وارتفعت حصتها في بعض المشاريع إلى 50 أو 60 في المائة، لكن هذه الشركات واجهت مشكلات تتعلق بالخبرة والجودة والتدقيق، ما أدى إلى تعثر آلاف المشاريع.
أما المرحلة الثالثة، فاعتمدت على شركات واجهة مسجلة رسمياً. تحصل هذه الشركات على العقد الحكومي ثم تتفاوض مع شركات متخصصة لتنفيذه، مقابل اقتطاع جزء من الأرباح المتوقعة.
ويشرح التحقيق نموذجاً لمشروع تبلغ كلفته الفعلية 6 ملايين دولار، فيما يقدم العرض إلى الدولة بقيمة 16 مليوناً. يصبح هامش الربح 10 ملايين دولار، ثم تبدأ المساومات لتحديد الربح النهائي وحصة المكتب الاقتصادي منه.
فإذا جرى تثبيت الربح عند 9 ملايين دولار، وحصل المكتب على 35 في المائة، تبلغ حصته 3.15 مليون دولار من عقد واحد.
أوراق سليمة وصفقات ملوثة
تكمن صعوبة ملاحقة هذه المنظومة في أن غالبية العقود تبدو سليمة من الناحية الإجرائية. الشركة مسجلة، والعقد يحمل توقيعات رسمية، وإجراءات الإحالة مكتملة، لكن الأشخاص الذين يديرون الصفقة فعلياً لا يوقعون أي وثائق.
أما الرشاوى المرتبطة بتنفيذ العقود، فتودع لدى مكاتب صيرفة أو وسطاء ماليين، ولا تُسلّم إلى المسؤول إلا بعد إنجاز المراحل الإدارية وصرف الدفعات الحكومية.
وقد تكون العمولة مبلغاً نقدياً أو صكاً أو سيارة فاخرة أو شقة في مجمع سكني. وأنتج هذا الأسلوب طبقة من الوسطاء يُنظر إليهم باعتبارهم «أمناء صناديق الرشاوى»، يتولون ضمان الصفقة ومنع الاتصال المباشر بين المسؤول والشركة.
ويخلص التحقيق إلى أن خطورة المكاتب الاقتصادية لا تقتصر على نهب المال العام، بل تكمن في قدرتها على تشكيل مؤسسات الدولة، وتحويل الانتخابات والوزارات والعقود الحكومية إلى أجزاء من سوق موزعة بين الأحزاب.
للاطلاع على التحقيق الكامل الذي أعدته الشرق الأوسط: اضغط هنا

