تتكشف فصول الأزمة اللبنانية المعقدة عن مشهد شديد الغرابة في أروقة المؤسسات الدينية الرسمية للشيعة في لبنان حيث تحولت منابر «المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى» ومنصات «دار الإفتاء الجعفري الممتاز» إلى مطابخ سياسية لإطلاق المواقف الجاهزة والتصعيدية ضد أي مسار تسوية أو مفاوضات تقودها الدولة اللبنانية لكبح العدوان وتثبيت الاستقرار.
وفي قراءة متأنية للخطاب الصادر عن العلامة الشيخ علي الخطيب والمفتي الجعفري الممتاز الشيخ أحمد قبلان يبدو واضحاً تبادل الأدوار وتوزيع المهام السياسية والمذهبية «غب الطلب» لخدمة مصالح «حزب الله» تارة وحركة أمل بزعامة نبيه بري تارة أخرى دون الالتفات إلى الواقع الإنساني والاجتماعي المأساوي الذي يعيشه أبناء الطائفة الشيعية في لبنان جراء «حروب الإسناد» والخيارات الميدانية القاتلة.
تقاسم الأدوار بين «الدبلوماسية الناعمة» و«التخوين المباشر»
يتجلى التنسيق السياسي والخطابي بين المؤسستين في أسلوب يجمع بين المرونة الظاهرية والهجوم العنيف لدفع الدولة نحو التراجع عن التزاماتها الدولية والعربية. فمن جهة أولى يعتمد الشيخ علي الخطيب لغة الموعظة والحوار والمواطنة محاولاً نفي تهمة «الشيعية السياسية» عن الطائفة ومؤسساتها ومدعياً الحرص على العيش المشترك وهو خطاب يهدف بالدرجة الأولى إلى التغطية على ممارسات فرض الأمر الواقع بقوة السلاح وإلقاء اللائمة على الآخرين بذريعة «التخلي عن الجنوب» لتبرير استمرار العسكرة والارتهان للمشروع الإقليمي الإيراني.
وفي المقابل وبشكل متواز تماماً يرفع الشيخ أحمد قبلان سقف الخطاب نحو ذروة التخوين والترهيب السياسي مستهدفاً مباشرة قمة واشنطن التي جمعت رئيس الجمهورية جوزاف عون بالرئيس الأميركي دونالد ترامب. ويصل قبلان في هجومه إلى وصف «اتفاق الإطار» والتفاهمات الأمنية اللاحقة بأنها «خيانة عظمى مرخّصة بالشكل» معتبراً أن السلطة الحالية تقود «غشاً وطنياً» وتبيع السيادة اللبنانية لأمن إسرائيل.
إن هذا التناقض الشكلي بين «دعوات الحوار» عند الخطيب و«الاتهامات بالخيانة» عند قبلان ليس سوى واجهة لسياسة منسقة تهدف إلى تقويض أي خطوة رسمية نحو حصر السلاح بيد الجيش اللبناني وإعادة قرار الحرب والسلم إلى كنف الشرعية الدستورية.
غياب تام عن شؤون الطائفة.. تجارة بالمواقف وإهمال للمأساة الإنسانية
إن المفارقة الصادمة في سلوك هذه المرجعيات الدينية تكمن في انصرافها الكامل عن القيام بواجباتها الرعائية والاجتماعية والإنمائية تجاه أبناء الطائفة الشيعية الذين يدفعون الأثمان الأكبر من دمائهم وأرزاقهم ومستقبل أبنائهم.
ففي وقت يرزح فيه الجنوبيون وأبناء البقاع والضاحية الجنوبية تحت وطأة نزوح مدمر وانهيار اقتصادي خانق وفقدان للمنازل والمنشآت الحيوية نتاج الحروب والمغامرات العسكرية يغيب الدعم المادي والإغاثي الحقيقي من جانب هذه المؤسسات التي تملك ميزانيات وأوقافاً ضخمة لتكتفي بدور «الناطق الإعلامي» باسم القوى المسلحة والمحاور الخارجية.
وبدلاً من أن يشكل المجلس الشيعي الأعلى ودار الإفتاء الجعفري شبكة أمان اجتماعي تدعم صمود الأهالي العائدين إلى قراهم المدمرة وتطالب بالتعويضات وتأمين المساكن الجاهزة والخدمات الأساسية تحولت هذه المقار إلى منصات لإطلاق الابتسامات والبيانات السياسية التي تهاجم حراك الدولة الإعماري والدبلوماسي.
ويشعر المواطن العادي في البيئة الشيعية بمرارة كبرى عندما يرى مرجعياته الروحية غارقة في السجالات الدستورية والسياسية والدفاع عن «مواثيق عين التينة» عوضاً عن التواجد الميداني الحقيقي لحل مشكلات المياه والكهرباء والطبابة والتعليم للأسر المنكوبة التي تُرِكت لمصيرها المجهول بعد أن أُحرِقت مدنها وقراها.
البازار الإيراني.. بيع الطائفة دون مقابل في حسابات المصالح الإقليمية
تثبت حدة الهجوم على قمة ترامب-عون والاتفاق الإطاري أن المحرك الفعلي لهذه المواقف ليس المصلحة الوطنية اللبنانية ولا حتى مصلحة الطائفة الشيعية بل الحفاظ على أوراق القوة الإيرانية في المنطقة. فالمصطلحات التي استخدمها قبلان مثل وصف الاتفاق الأمني بـ«حقنة السم» تعكس خشية حقيقية لدى طهران وفصائلها من نجاح مساعي الجيش اللبناني في بسط سيادته الكاملة على طول الحدود الجنوبية والشرقية وتجفيف منابع تهريب السلاح والصواريخ الدقيقة والمسيرات عبر الحدود السورية اللبنانية.
لقد جرى زج الشيعة في لبنان في صراعات وحروب إقليمية تحت شعارات شتى ليتضح في نهاية المطاف أن الطائفة قد جرى زجها في «بازار إيراني» تفاوضي واسع النطاق تستخدم فيه طهران دماء اللبنانيين لتحسين شروط تفاوضها مع الإدارة الأميركية وتحقيق مكاسب استراتيجية خاصة بها في ملفها النووي واستثماراتها الاقتصادية في المنطقة دون أي مقابل حقيقي للبنان أو للبيئة الحاضنة التي تُركت وحيدة في مواجهة آلة الدمار والتفجير المستمرة.
وبدلاً من أن تنتفض المؤسسات الدينية الشيعية ضد هذا الاستغلال والارتهان الخارجي نراها تشرعن هذا التوجه وتهاجم بعنف أي محاولة لربط لبنان بالدعم الدولي والعربي لإعادة الإعمار والاستقرار.
التمسك بـ«عقل عين التينة» وعرقلة قيام الدولة الحقيقية
يكشف ربط المفتي قبلان للضمانة الوطنية بـ«عقل ومواثيق عين التينة والتوافق الوطني» والتهديد بوجود من يريد «حرق لبنان» عن النوايا الحقيقية لإبقاء الدولة رهينة لمنطق المحاصصة والتعطيل.
إن الإصرار على جعل مقر رئاسة البرلمان ممراً إلزامياً ووحيداً لكافة القرارات السيادية والأمنية هو محاولة مكشوفة للالتفاف على دور مجلس الوزراء ومجلس النواب ومؤسسة رئاسة الجمهورية وتكريس سلطة الفيتو المذهبي بوجه أي إصلاح أو إنقاذ.
إن التباكي على القرار 1701 ووصف التفاهمات الحالية بـ«رخصة طيران فارغة» يتناقض مع الحقيقة الميدانية التي أثبتت أن سلاح الأمر الواقع هو الذي عطل هذا القرار الدولي لسنوات طويلة وجلب الحرب إلى لبنان.
واليوم عندما تتقدم الدولة اللبنانية وجيشها الوطني لملء الفراغ وأخذ زمام المبادرة وتثبيت السيادة ورفع العلم اللبناني وحيداً كما حدث في ساحة بلدة «زوطر الغربية» تسارع الأبواق الدينية والمذهبية إلى التشكيك والتشويش دفاعاً عن مكتسبات حزبية وفئوية ضيقة.
الحاجة إلى وعي وطني يتجاوز الخطاب المذهبي
ختاماً يظهر الواقع الراهن أن أبناء الطائفة الشيعية في لبنان باتوا بحاجة الى خطاب وطني تتبناه مرجعيات دينية ووطنية حقيقية تضع مصلحة الإنسان وكرامته وأمنه فوق كل اعتبار وتتحرر من التبعية العمياء للأجندات الحزبية والرهانات الخارجية الخاسرة التي لم تجر على البلاد سوى الويلات والدمار الشامل.
إن الاستمرار في سياسة توجيه الاتهامات بالخيانة والتخوين ضد مؤسسات الدولة ورئيس الجمهورية والجيش اللبناني لن يؤدي إلا إلى تعميق الانقسام العمودي في البلاد وإطالة أمد معاناة المواطنين. لقد حان الوقت لتدرك المرجعيات في حارة حريك ودار الإفتاء الجعفري أن السيادة الحقيقية والضمانة الفعلية لجميع اللبنانيين على اختلاف طوائفهم لا تصنعها المغامرات العسكرية ولا البيانات المفصلة «غب الطلب» بل تصنعها الدولة القوية العادلة القادرة على بسط سلطتها بقوة قانونها وجيشها الشرعي على كامل ترابها الوطني وحماية قرارها المستقل من أي وصاية أو تدخل خارجي.

