خامنئي ولبنان: حين تتحول الجثة إلى محاولة لتبييض مشروع خطف الدولة

علي خامنئي

ليست المشكلة في علي خامنئي أنه كان حاكمًا مستبدًا داخل إيران فحسب. المشكلة الأعمق أنه حوّل الاستبداد إلى مشروع إقليمي، وجعل من بعض الدول العربية ساحات مفتوحة لحروب الآخرين، ومن بينها لبنان الذي دفع، ولا يزال يدفع، ثمن نظرية «ولاية الفقيه» خارج حدود إيران.

اليوم، يحاول النظام الإيراني أن يصنع حول جثة خامنئي مشهدًا جنائزيًا ضخمًا، وأن يقدم موته كحدث رمزي يتجاوز إيران. لكن السؤال الذي يهم اللبنانيين ليس كيف يريد إعلام طهران أن يتذكر خامنئي، بل كيف عاش لبنان نتائج سياساته. فالرجل لم يترك في المنطقة خطبًا وشعارات فقط، بل ترك شبكة نفوذ مسلحة، ودولًا مثقلة بالأزمات، ومجتمعات دفعت ثمن قرار سياسي لم يكن دائمًا صادرًا من عواصمها.

في إيران، ارتبط اسم خامنئي بالقمع والإعدامات ومجزرة السجناء السياسيين عام 1988، وبقمع انتفاضة الطلاب عام 1999، واحتجاجات 2009، وانتفاضات 2018 و2019 و2022 و2026. كان جوابه الثابت على مطالب الشعب الإيراني هو السجون، والرصاص، والتعذيب، وحبل المشنقة. لكن هذا النموذج لم يبقَ داخل الحدود الإيرانية؛ فقد صُدّر إلى الخارج عبر حرس النظام وفيلق القدس والميليشيات.

لبنان كان أحد أبرز ميادين هذا التصدير. فحزب الله، في عهد خامنئي، لم يكن مجرد حليف سياسي لطهران، بل صار نموذجًا مكتملًا لما أراده النظام الإيراني في المنطقة: سلاح خارج الدولة، قرار حرب وسلم خارج المؤسسات، اقتصاد وطني يدفع كلفة الاصطفاف، وحياة سياسية معلّقة على توازن لا يملكه اللبنانيون وحدهم. بهذا المعنى، لم يكن خامنئي صديقًا للبنان، بل كان مهندسًا لوضعٍ جعل الدولة اللبنانية أضعف من السلاح، والسيادة أضيق من قرار الحزب.

والمفارقة أن النظام الإيراني يحاول تسويق هذا الإرث تحت عنوان «المقاومة». لكن أي مقاومة هذه التي تنتهي بإضعاف الدولة؟ وأي دفاع عن الشعوب هذا الذي يجرّ البلدان إلى العزلة والانهيار؟ إن المقاومة الحقيقية لا تختطف القرار الوطني، ولا تجعل شعبًا بأكمله رهينة حسابات إقليمية، ولا تحوّل الجنوب والضاحية وبيروت إلى أوراق في يد نظام يبحث عن بقائه في طهران.

لقد بنى خامنئي سياسته الخارجية على معادلة واضحة: كلما ضاق الخناق في الداخل الإيراني، توسعت ساحات التوتر في الخارج. وكلما ارتفع غضب الإيرانيين ضد الفقر والقمع والفساد، احتاج النظام إلى إشعال شعارات كبرى في المنطقة ليحجب حقيقة أزمته الداخلية. لذلك لم تكن الميليشيات في العراق ولبنان وسوريا واليمن مجرد أدوات نفوذ، بل كانت صمامات أمان لنظام يخشى شعبه قبل خصومه.

في سوريا، أنفق النظام الإيراني مليارات الدولارات ودماء الميليشيات لحماية بشار الأسد، ولو كان الثمن خراب المدن وتهجير الملايين. في العراق، رعى شبكات مسلحة أضعفت الدولة وشاركت في ترهيب الناشطين. في اليمن، ساهم دعم الحوثيين في إطالة الحرب وتهديد أمن المنطقة. وفي لبنان، تحوّل السلاح المرتبط بطهران إلى عامل دائم في تعطيل الدولة وإرباك علاقتها بمحيطها العربي والدولي.

ولا يمكن فصل هذا كله عن الداخل الإيراني. فالشعب الذي يعاني الفقر والتضخم والبطالة، رأى ثرواته تُصرف على المشروع النووي والصواريخ والميليشيات، بدل أن تُصرف على الخبز والدواء والعمل. خامنئي لم ينهب فقط مال الإيرانيين، بل صادر مستقبلهم، ثم استخدم بعض هذا المال لصناعة نفوذ دموي في المنطقة.

اليوم، تحاول طهران أن تجعل من جثة خامنئي وسيلة لتبييض السجل. لكن الموت لا يمنح صك البراءة. لا تستطيع مراسم رسمية، ولا رايات سوداء، ولا خطب معدّة مسبقًا أن تمحو دماء السجناء السياسيين في إيران، ولا دماء السوريين، ولا أزمات العراقيين، ولا جراح اللبنانيين الذين عاشوا عقودًا تحت ثقل دولة لا تكتمل بسبب سلاح يتجاوزها.

بالنسبة إلى لبنان، الدرس واضح: إرث خامنئي ليس شأنًا إيرانيًا داخليًا فقط. إنه حاضر في كل لحظة عجزت فيها الدولة عن اتخاذ قرارها بحرية، وفي كل حرب لم يُستشر فيها اللبنانيون، وفي كل أزمة دفعوا ثمنها لأن قرارًا ما اتُّخذ في مكان آخر.

لذلك، فإن مرحلة ما بعد خامنئي لا يجب أن تكون مناسبة لتجميل الرجل، بل لقراءة مشروعه كما كان: مشروع سلطة استخدم الدين لتثبيت الحكم، والمقاومة لتغطية الهيمنة، والميليشيات لإضعاف الدول. ومن حق اللبنانيين، كما الإيرانيين والعراقيين والسوريين واليمنيين، أن يقولوا إن هذا الإرث لا يُشيَّع بالتبجيل، بل يُفتح للمحاسبة السياسية والأخلاقية.

السابق
فصول حرب جديدة في وقف إطلاق النار!