دخلت الأزمة اللبنانية الملتهبة منعطفاً حقوقياً ودولياً بارزاً، مع إعلان منظمة الأمم المتحدة عن تحرك قضائي وميداني مباشر لتوثيق الفظائع المرتكبة على الأراضي اللبنانية. وفي خطوة هي الأولى من نوعها منذ اندلاع المواجهات العسكرية الشاملة، أعلن مفوّض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، اليوم الأربعاء «10 حزيران (يونيو) 2026»، أن المفوضية بصدد إرسال فريق رفيع المستوى من المحققين الدوليين إلى العاصمة بيروت الأسبوع المقبل، بهدف إجراء تقييم شامل ومستقل للانتهاكات المحتملة للقانون الدولي والقانون الدولي لحقوق الإنسان، المرتكبة من قِبل جميع الأطراف المتنازعة.
أهداف البعثة الأممية ورسالة “فولكر تورك”
وفي تفاصيل الإعلان الأممي الصادر من جنيف، أكد المفوض السامي فولكر تورك أن إرسال هذه البعثة يمثل سابقة في مسار الحرب الحالية، قائلاً: «هذه هي المرّة الأولى التي نرسل فيها بعثة التقييم هذه»، موضحاً أن الهدف الجوهري يتلخص في «النظر في الانتهاكات التي ارتكبتها جميع الأطراف، وتوثيقها بدقة، وفي النهاية تقديم تقرير مفصل وموثق عن النتائج التي توصّلنا إليها» إلى المجتمع الدولي ومجلس حقوق الإنسان، تمهيداً لتحديد المسؤوليات الجنائية والقانونية.
جذور الصراع وحصيلة الدمار البشري
يأتي هذا التحرك الدولي في وقت يستمر فيه نزيف الدم والتهجير القسري منذ أشهر؛ حيث يواجه لبنان حرباً مدمرة بدأت شرارتها الأولى في «الثاني من آذار (مارس) الماضي»، إثر إطلاق “حزب الله” صواريخ واسعة النطاق باتجاه مواقع إسرائيلية دعماً للمحور الإيراني في مواجهته المباشرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل. وجاء الرد الإسرائيلي عبر حملة عسكرية جوية وبرية واسعة النطاق اجتاحت مناطق واسعة من البلاد.
وقد أسفرت الآلة العسكرية، ولا سيما الغارات الجوية الإسرائيلية المكثفة، عن حصيلة بشرية وإنسانية كارثية شملت:
- مقتل أكثر من «3600 شخص» من المدنيين والأبرياء في مختلف المناطق اللبنانية.
- نزوح وتهجير ما يزيد على «مليون مواطن لبناني» تركوا قراهم ومدنهم قسراً.
انهيار “هدنة نيسان” واستمرار الخروقات
البعثة الأممية تأتي أيضاً لتسليط الضوء على الفشل الدبلوماسي في كبح جماح العمليات العسكرية؛ ورغم أن الولايات المتحدة الأميركية كانت قد رعت إعلان اتفاق لوقف إطلاق النار (هدنة مؤقتة) في «16 نيسان (أبريل) الماضي»، إلا أن مفاعيل هذا الاتفاق ولدت ميتة على الأرض مع استمرار القتال العنيف. وفقاً للبيانات الرسمية الصادرة عن الحكومة اللبنانية، فإن إسرائيل لم تلتزم بالاتفاق، حيث شنت ما يقرب من «3500 هجوم عسكري وغارة جوية» منذ إعلان الهدنة المفترضة، مما أسقط الخطوط الحمر وحوّل التهدئة إلى حبر على ورق.
تحذيرات من مجاعة حقيقية وتدهور الأمن الغذائي
ولم تقتصر أبعاد الكارثة على الجانب العسكري المباشر، بل امتدت لتضرب مقومات الحياة الأساسية في البلاد. وفي هذا السياق، تؤكّد التقارير الصادرة عن مؤسسات الأمم المتحدة أن الأزمة الراهنة تتسبب في «تدهور سريع وخطير في الأمن الغذائي للمواطنين».
وتشير التقديرات الأممية الصادمة إلى أنه يتوقع أن يواجه ما يقرب من شخص واحد من بين كل أربعة أشخاص في لبنان — أي نحو «1.24 مليون شخص» — مستويات حادة تصل إلى مرحلة “الأزمة والطوارئ” الشديدة بسبب «انعدام الأمن الغذائي»، وذلك في مدى زمني منظور يمتد حتى «آب (أغسطس) المقبل»، ما يضع البلاد أمام شبح مجاعة حقيقية وتفكك كامل للمؤسسات الإنسانية إذا لم تتوقف الحرب وتُفتح المعابر الإغاثية فوراً.

