بلغ الكباش السياسي والسيادي في لبنان ذروته عقب هجوم مضاد شنه حزب الله على مواقف رئيس الجمهورية جوزيف عون؛ حيث دخلت البلاد في نفق جديد من السجالات الساخنة حول قرار الحرب والسلم، وارتهان الساحة اللبنانية لأجندة الحرس الثوري الإيراني. ويأتي هذا الشرخ الداخلي بالتزامن مع انهيار ميداني لاتفاق وقف إطلاق النار الموقع في نيسان (أبريل) الماضي، وإصرار طهران على استخدام جبهة الجنوب اللبناني كبطاقة بريدية لتحسين شروطها المالية والنووية في كواليس المفاوضات الجارية مع واشنطن.
حزب الله ينتفض لمصلحة طهران ويدعو لتصحيح العلاقات
وفي تفاصيل هذا التحول، أصدر حزب الله بياناً شديد اللهجة اليوم الثلاثاء، دعا فيه الدولة اللبنانية ومؤسساتها الشرعية إلى ما سماه «تصحيح علاقتها مع إيران» وضرورة الاستفادة القصوى من دعمها العسكري والمالي. واعتبر الحزب في بيانه أن الرد الصاروخي الذي نفذته طهران مؤخراً ضد إسرائيل عقب قصف الضاحية الجنوبية، يمثل “رسالة التزام” إيرانية قاطعة تجاه حماية لبنان.
وهاجم الحزب بعنف المواقف الرسمية اللبنانية، معتبراً أن «الاتهامات الموجهة لإيران» من قصر بعبدا والسراي الحكومي هي مواقف “تضر بمصلحة لبنان العليا”.
وطالب الحزب السلطات اللبنانية بتبني الدعم الإيراني، والانضواء تحت لواء ما وصفها بـ «المظلة الإقليمية الجديدة» المنبثقة من مفاوضات إسلام آباد الجارية بين الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية الإيرانية.
ثانياً: بعبدا تتمسك بالمفاوضات وترفض الوصاية الإيرانية
في المقابل، وتأكيداً على حصر الصلاحيات التفاوضية والسيادية بيد الشرعية اللبنانية وحده، أعلنت المديرية العامة للرئاسة اللبنانية في بيان رسمي، أن رئيس الجمهورية جوزيف عون اطلع من رئيس وفد التفاوض اللبناني مع إسرائيل على آخر «التحضيرات اللوجستية والدبلوماسية» للجلسة المقبلة من المفاوضات برعاية أميركية، مجدداً رفض بعبدا القاطع لمواقف حزب الله التي اتهمت السلطة بالخضوع لـ”مطالب العدو”، ومؤكداً المضي في تثبيت حقوق لبنان واستقراره بشكل مستقل.
ويأتي بيان حزب الله رداً مباشراً على الصرخة السيادية العالية التي أطلقها الرئيس جوزيف عون قبل يومين، خلال مقابلة مدوية مع شبكة «سي إن إن» الأميركية؛ حيث وجّه تحذيراً حاسماً ومباشراً لقادة طهران، قائلاً بلهجة صارمة: “هذا ليس بلدكم، إنه بلدنا، وواجبنا.. وعملكم ليس التدخل في بلدنا”. واتهم عون طهران علناً باستخدام دماء اللبنانيين ودمار قراهم كـ «ورقة مساومة ومقايضة رخيصة» في مفاوضاتها المغلقة مع الإدارة الأميركية.
صواريخ الأحد تفجر “هدنة نيسان” وتفتح باب التهديدات
ميدانياً، جاءت هذه السخونة السياسية بعدما أقدمت إيران، يوم الأحد الماضي، على خرق إستراتيجي غير مسبوق للهدنة المعمول بها منذ نيسان (أبريل) الماضي؛ حيث أطلقت دفعات صاروخية مباشرة باتجاه الأراضي الإسرائيلية، رداً على غارة إسرائيلية استهدفت الضاحية الجنوبية لبيروت، معقل الحزب.
وعقب الهجوم، سارعت طهران إلى إعلان وقف ضرباتها مؤقتاً، مع توجيه تحذير بأنها ستعاود القصف إن تكررت الضربات الإسرائيلية في لبنان، في محاولة واضحة لفرض معادلة ردع إيرانية على الأرض اللبنانية. في المقابل، رفضت تل أبيب هذا المنطق وتعهّدت «بمواصلة عملياتها العسكرية» في لبنان حتى تفكيك البنى التحتية، متوعدة طهران برد مدمر وقاسٍ في حال أقدمت على مهاجمتها مجدداً.
خلفيات الأزمة.. تلازم المسارات وعقدة 2 آذار الكارثية
يُذكر أن العلاقات الدبلوماسية بين بيروت وطهران شهدت تدهوراً دراماتيكياً متصاعداً منذ «الثاني من آذار (مارس) الماضي»؛ وهي اللحظة التي اتخذ فيها حزب الله قراراً منفصلاً بإطلاق دفعات صاروخية مكثفة باتجاه إسرائيل تحت ذريعة الرد على اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي. هذا القرار الفردي تسبب في استدراج غارات إسرائيلية مدمرة وعمليات اجتياح بري واسعة طالت جنوب لبنان وشرقه وضاحية بيروت، مما أسفر عن سقوط آلاف الشهداء وتهجير مئات الآلاف من المواطنين وتدمير البنية التحتية للاقتصاد اللبناني.
وفي خضم هذه المأساة، تصر إيران على «ربط مسار الحرب في لبنان» بملفات تفاوضها الشامل مع واشنطن، وترفض أي حل منفرد، بينما تشهد الأوساط الدولية والإسرائيلية تمسكاً صارماً بضرورة فصل المسارات، وتحرير القرار اللبناني من قبضة الحرس الثوري وبسط سلطة الجيش اللبناني حصرياً على كامل التراب الوطني.

