في أول زيارة لنواف سلام إلى جنوب لبنان، قوبل بالرفض والشتائم، بينما في زيارته الثانية قوبل بالورود والاستضافة الحسنة. ليست المسألة بريئة بين الزيارتين، وليسوا هم الأهالي من تلقاء أنفسهم من قاموا بالحملة الأولى الهجومية، وليسوا هم أنفسهم من اقتنعوا بعد مدة وجيزة بأنهم يريدون “الدولة”. الأهالي هنا أدوات يحرّكهم حزب الله على القطعة وفق أمر العمليات وأمر اليوم لخدمة أهدافه السياسية.
بالمثل، حين يعترض الأهالي قوات اليونيفيل والجيش اللبناني، فليس الأهالي من يعترضون من تلقاء أنفسهم ويواجهون الجيش اللبناني. حزب الله يستدعي الأهالي حسب الغاية والهدف، أحيانًا شبانًا لتكسير عربات اليونيفيل، وأحيانًا أمهاتٍ كبيراتٍ في السن يجلسن على الطريق ويقطعنها، مانعاتٍ الجيش من تفتيش إحدى المنازل ريثما يقوم عناصر الحزب بتفريغه من محتوياته، أو لتوجيه رسائل إلى قيادة الجيش والحكومة ورئاسة الجمهورية.
وبالمثل، حين يتم تحريك الأهالي للتضييق والتعدي على المعارضين، تصدر بيانات الحزب بنفي أي مسؤولية للحزب عن الحدث أو اعتبار أنهم “عناصر غير منضبطة”، إنما ذلك لا يخرج عن “التربية” التي غذاها حزب الله في “البيئة”، فصارت تتحرك وفق منطق لاواعي أوتوماتيكي.
التبرّؤ العائلي: الدم بصير مي
يعمل الحزب على جبهة العشائر والعائلات عبر حشد مجموعة من الناس وإصدار بيانات شجب واستنكار بحق المعارضين، وتصل إلى بيانات التبرؤ العائلي. فيقوم الحزب بالضغط وتحريض المخاتير ورؤساء البلديات وزعماء العشائر، وتأليبهم على كل صوت معارض.
ويهدف هذا الأسلوب إلى الضغط على المعارضين عبر تحريك عصا العقاب والويل والثبور وعظائم الأمور لكل من يخالف سردية الحزب، وكذلك للقول إن الغالبية هي من قررت، ولا يقع على عاتقه أي مسؤولية.
حين يتم تحريك الأهالي للتضييق والتعدي على المعارضين، تصدر بيانات الحزب بنفي أي مسؤولية للحزب عن الحدث أو اعتبار أنهم “عناصر غير منضبطة”،
يُضاف إلى بيانات التبرؤ العائلي الدفع باتجاه إصدار “لوائح الموت”، وهي لوائح اسمية مع صور تنتشر على السوشيال ميديا لمجموعة من الصحافيين والسياسيين والمحامين والمثقفين، تصفهم بأنهم عملاء وخونة و”شيعة سفارة”. وقد حصلت حادثة مماثلة عام 2018، وتكررت أكثر من مرة، وطالت شخصيات كالوزير السابق محمد عبد الحميد بيضون، و**صلاح الحركة، وإبراهيم شمس الدين، وأحمد الأسعد، وعقاب صقر، وصحافيين وناشطين سياسيين مثل علي الأمين، وحسان الزين، ونديم قطيش، ولقمان سليم** (المجد لكاتم الصوت)، و**ديما صادق، وحازم الأمين، وديانا مقلد، ومنى فياض، وعلي خليفة، وهادي مراد، ومريم سيف الدين، ومحمود عواد، ومحمود شعيب، ونبيل مملوك، ونانسي اللقيس، وواصف الحركة**، والتعرض لرجال دين، منهم الشيخ عباس يزبك، والشيخ ياسر عودة، والشيخ محمد الفوعاني، واللائحة تطول.
الواسطة والمحسوبية والدولة العميقة
يستخدم الحزب ضمن هذا الأسلوب الرشوة عبر وعود بمناصب مختار ورئاسة بلدية، أو أي من الوسائل التي تصب في صالح من يوالونه، من المدرسة إلى الدكانة، إلى الجيش والقوى الأمنية، وصولًا إلى مخفر الدرك والتوظيفات الخاصة والعامة داخل الدولة، مما يتيح له التأثير والفعالية على الشيعة وتوجيه البيئة الشيعية لخدمة سرديته في مواجهة معارضيه.
لنفترض أن أحد الأشخاص بحاجة إلى واسطة لتعيين ابنه في الجيش أو القوى الأمنية أو أي وظيفة أخرى، فالأولوية تُعطى للموالين للحزب، ومن يُعرف أنه متذبذب سياسيًا أو ليس مناصرًا علنيًا لتوجهاتهم، تتم محاربته ومنعه من نيل الوظيفة، حتى لو كان صاحب كفاءة.
الحرب النفسية: قتل الروح المعنوية
تقول مليكة، وهي ناشطة سياسية شيعية هربت من النبطية إلى صيدا بعد حرب الإسناد، إن الحزب يركّز على من يبدأ اسمه بالتداول ويُلاحظ أن له تأثيرًا في بيئته، حتى لو لم يتجاوز عدد متابعيه ألف شخص. فالمعيار، بحسبها، هو القدرة على التأثير.
وتعتبر مليكة، التي خافت من الكشف عن هويتها الحقيقية، أن الحزب يحاول استمالة أصحاب الرأي المعارض بالتخجيل أو بالإغراء المالي، سيما الإعلاميين والمؤثرين. وفي حال فشل هذين الأسلوبين، تتصاعد الضغوط. وتشير إلى استغلال الحزب مرض والدتها بضغط الدم، ونقل أخبار عنها للوالدة، وممارسة ضغوط نفسية عليها.
وتضيف أن الحرب النفسية تُستخدم بكثافة، عبر تكرار عبارات من قبيل “ملفاتك عنا” أو “نحن ساكتين عنك”، ونشر هذه التلميحات علنًا وعلى نطاق واسع، بما يدفع الشخص إلى الشك بنفسه حتى لو كان واثقًا من براءته.
وتقول إن الأمر قد يصل إلى اختلاق اتهامات، كوصم أشخاص بالاحتيال من دون تقديم أي دليل، ثم تعميم هذه الروايات على وسائل التواصل الاجتماعي حتى تترسخ في أذهان الناس. وتسرد حادثة تعرّض لها أحد أصدقائها، إذ نُشرت عنه مزاعم بالاحتيال عبر منصة إكس، وتداولها صحافيون وناشطون من دون إبراز أدلة. وتؤكد أن أي شخص يرتبط بعلاقة صداقة أو معرفة بذلك الشخص يُوصم بدوره، مشيرة إلى أنها تعرّضت لاتهامات مماثلة.
الحرب النفسية تُستخدم بكثافة، عبر تكرار عبارات من قبيل “ملفاتك عنا” أو “نحن ساكتين عنك”، ونشر هذه التلميحات علنًا وعلى نطاق واسع،
وفي مثال آخر، تشير إلى حالة شاب معارض تقول إنه اتُّهم علنًا بالاحتيال من دون دليل، وتعرّض لضغوط شملت إرسال مسلحين إلى منزل عائلته، إضافة إلى تفتيش هاتفه. وتعتبر أن تكرار الاتهام ونشره على نطاق واسع كان الهدف منه ترسيخ صورة سلبية عنه في الوعي العام.

