14شباط: من ذكرى الاغتيال إلى تحوّل البيئة الاستراتيجية

لا يمكن قراءة الرابع عشر من شباط هذا العام كمجرد مناسبة لاستذكار اغتيال رفيق الحريري، بل كمدخل لفهم تحوّل أعمق في البيئة الاستراتيجية التي نشأت فيها الجريمة. فقد وصفت المحكمة الخاصة بلبنان الاغتيال بأنه عمل إرهابي ذو طابع سياسي، جاء في سياق صراع على هوية الدولة اللبنانية وموقعها ضمن شبكة توازنات إقليمية معقدة. كان الصراع، ولا يزال، بين مشروع دولة ذات سيادة كاملة، ومنطق تحويل لبنان إلى ساحة مفتوحة أمام نفوذ القوى الإقليمية.

الاغتيال كأداة لإعادة تثبيت التوازن

لم يكن الهدف من اغتيال الحريري إسكات شخصية سياسية فقط، بل إعادة ضبط توازن القوة. فقد مثّل الحريري مشروعاً لإعادة دمج لبنان في الاقتصاد العالمي، وتعزيز علاقاته الدولية، وتقليص نفوذ الوصاية الأمنية والسياسية التي حكمت البلاد لسنوات. من هذا المنظور، يمكن فهم الاغتيال كأداة ضمن منظومة نفوذ متكاملة، ارتكزت على ثلاث ركائز: دور سوريا كمركز قرار أمني إقليمي، ووجود حزب الله كقوة عسكرية ميدانية خارج إطار الدولة، وشبكة سياسية وأمنية كرّست هذا التوازن كمعادلة حكم.

ما بعد 2005: تغيّر في الشكل لا في الجوهر

بعد عام 2005، انسحب الجيش السوري من لبنان، لكن البنية الاستراتيجية لم تتفكك بالكامل، بل أعادت إنتاج نفسها بأدوات مختلفة. برز حزب الله كفاعل مركزي في تثبيت ميزان القوة الداخلي، مستنداً إلى فائض عسكري مستقل، وإلى دور إقليمي متصاعد، خصوصاً بعد تدخله في الحرب السورية. وبذلك، استمرت معادلة النفوذ عبر تكامل العمق الجغرافي والسياسي مع القوة العسكرية المحلية، فيما بقي لبنان ضمن نطاق نفوذ إقليمي أوسع.

التحول الراهن: تآكل البنية الإقليمية

ما يجعل هذه الذكرى مختلفة اليوم هو تراجع البنية التي شكّلت أساس تلك المنظومة. فالتغيرات التي أصابت النظام الإقليمي الذي شكّل العمق الاستراتيجي أدت إلى إضعاف قدرة هذه المنظومة على الاستمرار بالصيغة نفسها. ومع تصاعد الضغوط الاقتصادية والسياسية الداخلية، لم يعد فائض القوة مصدر استقرار، بل تحول تدريجياً إلى عامل يطرح تساؤلات حول الشرعية والاستدامة.

إعادة تفسير الذكرى في ضوء المتغيرات

في هذا السياق، لم يعد الرابع عشر من شباط مجرد ذكرى لحدث وقع في ظل ميزان قوى مختل، بل محطة يُعاد تفسيرها على ضوء تآكل البيئة التي أنتجتها. فالإطار الإقليمي الذي وفّر الغطاء السياسي والأمني لم يعد قائماً بالثبات نفسه، والمنظومة التي امتلكت القدرة على فرض معادلات داخلية تواجه تحديات تتعلق بشرعيتها وبقدرتها على الاستمرار.

بهذا المعنى، لم يعد اغتيال الحريري يُقرأ فقط كحدث أنهى مرحلة سياسية، بل كمرآة تكشف، بعد عقدين، هشاشة منظومات القوة التي بدت راسخة. فالأنظمة التي تعتمد على توازنات إقليمية ثابتة ظاهرياً تبقى عرضة للتحول مع تغير هذه التوازنات. وعندما تتبدل الشروط الإقليمية، لا يتغير الحاضر فحسب، بل يُعاد أيضاً فهم الماضي.

من هنا، تتحول ذكرى الرابع عشر من شباط من مجرد استعادة لجريمة سياسية، إلى مؤشر على مسار تاريخي أوسع، يؤكد أن توازنات القوة، مهما بدت مستقرة، تبقى مؤقتة ضمن سياق استراتيجي أطول زمناً من كل محاولات تثبيتها بالقوة.

السابق
لبنان بين منطق السلطة ومنطق الجماعة بحسب المفكر «أندريه سيغفريد»
التالي
أسرار الصحف المحلية الصادرة يوم الإثنين في 16 شباط 2026