النص هو وصية سمير زعرور التي طلب من عائلته نشرها بعد وفاته.
سمير احمد زعرور من أهل العديسة في جبل عامل، انتقل بسبب الإحتلال ليعيش في بلدة الغازية.
والده المرحوم احمد زعرور ابو سمير، احد الشخصيات الجنوبية المعروفة لقربها من الرئيسين احمد ثم كامل الأسعد.
شغل سمير زعرور منصب رئيس مصلحة في مجلس النواب، لكن دوره كان أكبر وأوسع من وظيفته، فهو الموثوق والمقرب من الرئيس كامل الأسعد الذي اوفده ممثلا شخصيا له في أكثر من مناسبة وأكثر من دولة.
الموقف السياسي والموقع الرسمي الذي شغله سمير زعرور في مجلس النواب كانا كفيلين بأن تقبله سويسرا كلاجئ سياسي، بل ربما اللاجئ السياسي اللبناني الوحيد.
اكمل سمير زعرور حياته متقاعدا في سويسرا، لكنه لم يتقاعد عن التواصل الإجتماعي والسياسي مع اصدقائه ورفاق دربه، وبقي وفيا لبيته ومبدئه وقضيته ووطنه.
««إلى كل من سيقرأ هذه الكلمات.
حين تصلكم رسالتي، أكون قد غادرت هذا العالم كما يغادره كل إنسان في موعد لا يقدم ولا يؤخر. غادرت الجسد، لكن الأثر يبقى، والكلمة تعيش أطول من أصحابها.
أكتب إليكم وأنا ممتن للحياة بكل ما حملته لي. لم تكن طريقا مفروشة بالورد، لكنها كانت مدرسة حقيقية علمتني الصبر حين ضاقت السبل، والتواضع حين اتسعت، وعلمتني أن الإنسان لا يقاس بما يملك، بل بما يتركه في قلوب الآخرين.
إلى رفاق الدرب، أنتم الذين شاركتموني المسير، يوم كانت الخطوات ثابتة، ويوم كانت متعبة. بعضكم عرفني في أوج قوتي، وبعضكم عرف ضعفي، وبعضكم يقي رغم كل شيء. أشكركم لأنكم كنتم جزءا من قصتي، ولأن ذكرياتنا ستبقى حية حتى بعد أن يهدأ موتي.
عشت حياة مليئة بالتجارب لا أدعي الكمال أخطأت كما يخطئ البشر، وندمت، وحاولت أن أصلح ما استطعت إن كان لي فضل عند أحد، فذلك شرف أعتز به، وإن كان لي تقصير، فأرجو أن يغفر، فالقلوب الصافية وحدها تبقى.
إلى أهلي، أنتم البداية والنهاية السند حين ضعف العالم من حولي، والدعاء الذي كان يصلني دون أن أطلبه. سامحوني إن خذلتكم يوما، أو قصرت في حقكم، فالمحبة أحيانا تعجز عن التعبير لا عن الشعور لا تجعلوا رحيلي عبئا على قلوبكم، بل اجعلوه ذكرى هادئة، فالحياة خلقت لتعاش، لا لتحبس في الحزن.
إلى أقاربي وأصدقائي ومعارفي، إن مرّ طيفي في ذاكرتكم يوما، فاذكروني بخير، أو اصمتوا فالخير صدقة، والصمت رحمة.
أوصيكم بالحياة، أن تحبوها دون تعلق مؤلم، وأن تحبوا بعضكم دون شروط قاسية. لا تؤجلوا الكلمات الطيبة، ولا تؤخروا العناق، ولا تستهينوا بلحظة صفاء، فكلها أشياء نعرف قيمتها متأخرين».
أوصيكم بالحياة، أن تحبوها دون تعلق مؤلم، وأن تحبوا بعضكم دون شروط قاسية. لا تؤجلوا الكلمات الطيبة، ولا تؤخروا العناق، ولا تستهينوا بلحظة صفاء، فكلها أشياء تعرف قيمتها متأخرين.
وأوصيكم بالوطن، لا بالطائفة، أوصيكم بلبنان الواحد، لا بلبنان الممزق بالخوف والمصالح. احذروا الطائفية فهي ليست هوية، بل جرح مفتوح، وليست حماية، بل أداة تفريق واستغلال. لقد أرهقت الوطن، وأضعفت الدولة، وسرقت من الناس ثقتهم ببعضهم وبمستقبلهم.
لا تجعلوا انتماءاتكم الضيفة أقوى من انتمائكم الوطني، ولا تسمحوا لأحد أن يزرع بينكم الكراهية باسم الدين أو المذهب. فلبنان لا يقوم إلا بجميع أبنائه، ولا يحمى إلا بالعدالة، ولا يبنى إلا بدولة مدنية عادلة، يكون فيها المواطن إنسانا قبل أن يكون تابعا.
أوصيكم بالكلمة الحرة، وبالموقف الشجاع، وبالانحياز للحق مهما كان مكلفا لا تساوموا على الوطن، ولا تصمتوا عن الظلم، فالصمت شراكة والحياد في زمن الانهيار خيانة للضمير.
أما أنا، فأمضي بسلام، مطمئن القلب، راضيا بما كان، ومؤمنا بأن ما عند الله أوسع وأبقى.
أستودعكم الله الذي لا تضيع عنده الودائع، وإلى لقاء… حيث لا تعب، ولا فراق، ولا خوف.


