انتحال الصفة… حين يصبح الكذب هويةً اجتماعية

عبد المنعم يوسف

انتحال الصفة هو سقوط أخلاقي مريع.

سقوط أخلاقي ناتج عن ضعف عصبي مزمن، وثقة مفقودة، وإحباط هذياني، وتشاطر في الاحتيال.

سقوط أخلاقي يتساوى فيه المُمثِّل والمُدّعي.

لم يعد انتحال الصفة مجرّد فعل احتيالي عابر في المجتمع اللبناني، هذا المجتمع الذي أنهكته الأزمات على أنواعها، بل غدا ظاهرة تكشف عمق الانحلال الأخلاقي الذي يسكن شريحة كبرى من النفوس اللبنانية قبل المؤسسات.

الفساد واحد واغش واحد

سواء انتحل أحدهم صفة «أمير» ملكي في بلاط ملكي، فيديوان ملكي، كـ«أبو عمر»، أو اختبأ آخر خلف لقب مُزَوَّر: «شيخ» صيداوي أو غير صيداوي، «دكتور» و«دكتورة»، «بروفيسور» و«بروفيسورة»، «مهندس»، «محامي»، «قاضي»، «باحث»؛ أو ادّعى شهادةً مستحدثةً لا جذر لها ولا أفنان، من جامعة فرنسية أو بريطانية أو أميركية مرموقة، فإن الجرم واحد، والفساد المعنوي واحد، وغش الذات والناس واحد، وهذالة الروح واحدة.

في الحالتين، نحن أمام نموذج واحد من الغش الفاضح المدروس، قوامه التزييف والتشبّه والتكاذب، باسم مقام علمي رفيع، يُهرّب وجاهةً اجتماعيةً من نسج العنكبوت.

الهدف وضيع، لا يتعدّى التفاخر والتلميع أمام مجتمع لبناني مريض بداء الظهور والتكاذب، يعيش على واجهات متشققة من الألقاب والمظاهر، بدل أن يُعلي من شأن الكفاءة والصدق والعمل.

والمفجع، المفجع، أننا نصطدم بالصورة المُقرفة لهذا الانتحال في مكتب وزير، وفي جُبّة شيخ، وعلى كتف رئيسة، وتحت فولار عنق لعضو مجلس إدارة، وفي عمادة جامعة، وفي بدل اختصاص لمدير عام، وفي سيرة ذاتية لدولة، وفي ركام شهادات لذكاء اصطناعي ضاعت عنده بوصلات العالم، وفي زينة على صدور السفراء، وعلى حوائط مجالس شرعية… وفي صوت مُكبِّر على طاولة نواب… وتحت خيمة في بادية في جرد عكار.

إن من ينتحل صفة أو لقبًا لا يختلف في جوهر فعله عمّن يضع نصف نعل إضافيًّا في أسفل حذائه ليبدو أطول قامةً أمام الناس. كلاهما يمارس الكذب ذاته، وإن اختلفت الأدوات؛ الأول يزيّف الحقيقة المعنوية، والثاني يزيّف المظهر الجسدي. وفي الحالتين، المسافة واحدة بين ما هو كائن وما يُراد إيهام الآخرين بأنه كائن.

صمت المجتمع: تواطؤ مشبوه

الأخطر من الفعل ذاته هو صمت المجتمع وغياب ردعه، إذ يمرّ المنتحل بين الناس مزهوًّا بكذبته، غير محاسب ولا مُستنكر. وهنا يكمن الخطر الأكبر: أن يصبح الغش سلوكًا مقبولًا، والتزوير مهارة اجتماعية، والصدق سذاجةً لا تليق بأهل «المظاهر».

إن الانزلاق الأخلاقي لا يُقاس بنوع الصفة المنتحلة، بل بجوهر الفعل ذاته، فالسقوط واحد، والانحطاط واحد، سواء حمل المنتحل لقبًا سلطويًا أو أكاديميًا أو مهنيًا.

إنها أزمة ضمير قبل أن تكون أزمة قانون.

أزمة مجتمع سمح بأن يكون الكاذب قدوة، والمزيف وجيهًا، وغاب فيه الحياء والحق والخجل.

شكرًا مصطفى الحسيان…

شكرًا يا ابن جرود وادي خالد…

يا خبير «الحدادة وبويا»…

خبير في مهنتك… حدّاد… وبويجي…

شكرًا أنك ظهّرت «عَوْرَةً» تسكن في وجوه، وفي رؤوس مسؤولين كُثُر في لبنان.

أنت أول «أبو عمر» ظهر علانية،

وهناك آلاف «أبو عمر» مختبئون وراء حصاناتهم… وخلف نفوذهم.

السابق
قيادة الجيش: مداهمة مناطق عدة وتوقيف مطلوبين بتهم إطلاق نار وترويج مخدرات
التالي
لبنان يعلن التوقيع على «اتفاقية البلوك 8»: تحالف دولي يبدأ رحلة التنقيب عن «طوق النجاة» الاقتصادي