الاتفاق يقترب: ملامح سلام ممكن بين روسيا وأوكرانيا رغم الصعوبات

تلوح في الأفق ملامح اتفاق سلام مستدام لأوكرانيا، رغم التعقيدات التي تكتنف الوضع الحالي. ورغم أن ميل الرئيس الأميركي السابق، دونالد ترامب، نحو روسيا لا يسهم في تحسين الوضع، إلا أن هناك سبلًا للوصول إلى حل معقول. الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في لندن يوم الاثنين لإجراء محادثات مع قادة بريطانيا وفرنسا وألمانيا. إليكم وصفًا بسيطًا لما ينبغي أن يكون عليه السلام في أوكرانيا: دولة ذات سيادة، حدودها محمية بضمانات أمنية دولية، وهي جزء من الاتحاد الأوروبي، وتعيد بناء اقتصادها باستثمارات ضخمة من الولايات المتحدة وأوروبا.

على الرغم من أساليب ترامب الحادة في الخطاب، وتعاطفه غير المبرر مع روسيا، يبدو أن مثل هذا الاتفاق يقترب من التحقق، وفقًا لما أسمعه من مسؤولين أميركيين وأوكرانيين وأوروبيين. ومع ذلك، لا يزال بإمكان ترامب أن يُفسد الأمور إذا ضغط بشدة على الرئيس زيلينسكي وحلفائه الأوروبيين، مما قد يدفعهم إلى مواصلة القتال رغم التكلفة الباهظة. سيكون ذلك سيئًا للجميع. لذا، هذه لحظة مناسبة لترامب ليطمئن أوكرانيا وأوروبا، بدلًا من الضغط عليهما لقبول تسوية بالقوة.

لقد أثرت ميول ترامب نحو الكرملين في استراتيجية الأمن القومي التي أصدرها البيت الأبيض الأسبوع الماضي، مما أعقَد المفاوضات. يبدو أنه يريد أن يقف على مسافة متساوية بين أوروبا الديمقراطية وروسيا الاستبدادية، “لتقليل خطر الصراع بين روسيا والدول الأوروبية”، كما ورد في الوثيقة. هذا التوازن بين الصديق والعدو غير منطقي، استراتيجيًا وأخلاقيًا، وهو ما يُقلق أوروبا حقًا. ومع ذلك، فإن لجهود ترامب في إرساء السلام بعض الأمل. المفاوضان الأميركيان، جاريد كوشنر وستيف ويتكوف، من كبار رجال الأعمال وليسا دبلوماسيين، لكن يبدو أنهما يدركان أن أفضل حماية لأوكرانيا هي مزيج من ضمانات أمنية مُلزمة وازدهار اقتصادي مستقبلي. وهما يدركان أن حزمة المفاوضات ستفشل ما لم يتمكن زيلينسكي من إقناع دولة شجاعة لكنها منهكة.

وفقًا لما ذكره مسؤول أوكراني، فإن حزمة المفاوضات تتضمن ثلاث وثائق: خطة السلام، والضمانات الأمنية، وخطة الإنعاش الاقتصادي. ولا تزال المحادثات جارية، حيث تخطط أوكرانيا وحلفاؤها الأوروبيون لإصدار مجموعة مشتركة من التعديلات يوم الأربعاء.

1- انضمام أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي

من المتوقع أن تنضم أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي في أقرب وقت ممكن عام 2027. رغم أن هذا الانضمام السريع يثير قلق بعض القوى الأوروبية، فإن إدارة ترامب تعتقد أنها قادرة على التغلب على معارضة المجر، أكبر معارضي كييف في هذا الشأن. من شأن العضوية أن تعزز التجارة والاستثمار، ومن المهم أن تُجبر أوكرانيا على كبح ثقافة الفساد المستشرية في الشركات المملوكة للدولة. في جوهر الأمر، يدور هذا الصراع حول ما إذا كان بإمكان أوكرانيا أن تصبح دولة أوروبية، وهو ما يرفضه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، انطلاقًا من إيمانه بوحدة روسيا وأوكرانيا.

2- الضمانات الأمنية الأميركية

ستقدم الولايات المتحدة ضمانات أمنية تُشبه “المادة الخامسة” لحماية أوكرانيا في حال انتهاك روسيا للاتفاق. تطالب أوكرانيا الولايات المتحدة بتوقيع اتفاقية مماثلة وتصديق الكونغرس عليها، بينما ستوقع الدول الأوروبية ضمانات أمنية منفصلة. ويعمل فريق عمل أميركي–أوكراني حاليًا على دراسة تفاصيل الاتفاقية، وسرعة استجابة أوكرانيا وحلفائها لأي خرق روسي.

3- صون سيادة أوكرانيا وترسيم حدود القوة

سيُحترم حق أوكرانيا في رفض أي فيتو روسي على سيادتها. لكن المفاوضين ما زالوا يواجهون صعوبة في التعامل مع قضايا حساسة مثل القيود المفروضة على الجيش الأوكراني. هناك حديث عن رفع العدد المقترح مبدئيًا للجيش الأوكراني من 600 ألف جندي إلى 800 ألف، وهو العدد الذي كان سيبلغه الجيش الأوكراني تقريبًا بعد الحرب. كييف ترفض أي سقف دستوري رسمي كما تطالب روسيا.

4- المنطقة المنزوعة السلاح ومبادلات الأراضي

سيتم إنشاء منطقة منزوعة السلاح على طول خط وقف إطلاق النار بالكامل، من مقاطعة دونيتسك في الشمال الشرقي إلى منطقتي زابوروجيا وخيرسون في الجنوب. ستكون هناك منطقة أعمق خلف هذه المنطقة يُمنع فيها دخول الأسلحة الثقيلة. وسيخضع هذا الخط لمراقبة دقيقة، كما هو الحال مع المنطقة المنزوعة السلاح التي تفصل بين كوريا الشمالية والجنوبية.

“مبادلات الأراضي” جزء لا مفر منه من الاتفاق، لكن أوكرانيا والولايات المتحدة لا تزالان تتفاوضان حول كيفية ترسيم الحدود. تطالب روسيا أوكرانيا بالتخلي عن نحو 25% من دونيتسك التي لا تزال تحت سيطرتها. لكن فريق ترامب يرى أن أوكرانيا ستخسر على الأرجح جزءًا كبيرًا منها في المعارك خلال الأشهر الستة المقبلة، وعليها تقديم تنازلات الآن لتجنب الخسائر البشرية.

محطة زابوروجيا للطاقة النووية، الأكبر في أوروبا، لن تبقى تحت الاحتلال الروسي. يناقش المفاوضون إمكانية تولي الولايات المتحدة إدارة المحطة، وهو اقتراح يروق لبعض المسؤولين الأوكرانيين باعتباره رادعًا أميركيًا ضد العدوان الروسي.

تسعى إدارة ترامب إلى تعزيز الاستثمار والتنمية الاقتصادية في أوكرانيا. إحدى المصادر المحتملة للتمويل هي الأصول الروسية المجمدة في أوروبا، والتي تتجاوز قيمتها 200 مليار دولار. وقد اقترح مفاوضو ترامب تخصيص 100 مليار دولار من هذه الأصول لأوكرانيا كتعويضات، وقد يتم زيادة هذا المبلغ. كما يجري مسؤولون أميركيون محادثات مع لاري فينك، الرئيس التنفيذي لشركة بلاك روك، لإحياء خطته لإنشاء صندوق تنمية أوكرانيا.

إن فشل المفاوضات أو الضغط على زيلينسكي لقبول صفقة غير عادلة سيؤدي إلى مزيد من المعاناة لجميع الأطراف. يجب على ترامب وفريقه أن يتوصلوا إلى اتفاق معقول ومستدام، وإلا قد ينتهي به الأمر خالي الوفاض، مع دخول هذا الصراع مرحلة أكثر دمارًا.

السابق
اتصال بريطاني – لبناني لبحث التصعيد… ولندن تعلن استعدادها لمنع انفجار الوضع
التالي
«الجهود الناعمة»: إيران تعزز نفوذها في لبنان عبر جمعيات الإغاثة كغطاء لنشاط عسكري