سؤالُ العدالةِ الأبديّ: بينَ حِكمةِ الفحصِ وبَراءةِ الريفِ

السيد هاني فحص

يُخلّدُ التاريخُ لحظاتٍ نادرةً حيثُ تُصبحُ الكلمةُ أشدَّ فتكاً منَ السيفِ، ولعلَّ محاكمةَ سقراط في أثينا عام 399 ق.م، وقرارَها الأبديَّ بالإعدامِ لأذكى رجلٍ في عصرهِ، لمْ يكنْ إلا اعترافاً صامتاً بخطورةِ الفِكرةِ المُتحرّرةِ. لكنَّ هذا البحثَ النخبويَّ يظلُّ ناقصًا ما لمْ يختبرهُ واقعُ الحياةِ المعاشةِ؛ تلكَ التي لا تُحكمُها دساتيرُ المدينةِ المُعقّدةِ، بلْ فطرةُ الأرضِ وضميرُ الناسِ.

شقوقُ اليقينِ وعَتبةُ النبطيةِ

على هذهِ الخلفيّةِ المُلهمةِ، تبلورتْ مائدةُ نقاشٍ فلسفيٍّ غيرُ تقليديٍّ، في سهرةٍ أُقيمتْ في مدينةِ النبطيّةِ تحديدًا، في منزلِ الأستاذِ خليلِ ترحيني (أبو بشار)، حيّ البياضِ، في شهرِ أيّارَ منْ عامِ 1993 .

كانَ الحاضرُ الأبرزُ فيها هوَ السيدُ هاني فحص، بعمقِهِ الفكريِّ ومرجعيتِهِ الإسلاميّةِ المستنيرةِ، إلى جانبِ ثلّةٍ منَ الأساتذةِ والمثقفينَ المحليينَ . كانَ الهدفُ هوَ اختبارُ النظرياتِ الكُبرى على محكِّ الحياةِ اليوميّةِ الجنوبيّةِ، حيثُ العدلُ ليسَ قانونًا، بلْ إيقاعًا للكرامةِ والبقاءِ.

بينَ شقاوةِ المنطقِ وحكمةِ الجنوبِ

جلسَ السيدُ هاني فحص، مُستمعًا بعنايةٍ، بينما كانَ الحضورُ يتبادلونَ التأمّلاتِ في العدالةِ. كانَ النقاشُ ينتقلُ بسلاسةٍ بينَ “الجمهوريةِ” الأفلاطونيّةِ وتفاصيلِ الحياةِ الريفيّةِ والسياسيّةِ في الجنوبِ.

المحور الأول: العدالة كـ”أمانةٍ كونية” في وجهِ الاغتصابِ

بدأَ السيدُ فحص، مُستذكرًا سؤالَ سقراطِ الخالدَ عن إعادةِ السيفِ لِمنْ جُنَّ، مُشيرًا إلى أنَّ العدالةَ ليستْ مُجرّدَ ردِّ الديونِ، بلْ هيَ حكمةٌ أخلاقيّةٌ مُعقّدةٌ تُقدّمُ حمايةَ الروحِ على جمودِ النصِّ.

هنا، تدخّلَ أحدُ الأساتذةِ المحليينَ ليُعيدَ توجيهَ البوصلةِ إلى السياقِ الجنوبيِّ: “في قريتِنا، العدالةُ تبدأُ من التعاملِ معَ الأرضِ والمحتلِّ. إنَّ العدلَ هوَ أنْ يُقاومَ المظلومُ، وأنْ يُرفضَ التنازلُ عنْ شبرٍ منَ الأرضِ. الأرضُ ليستْ مجردَ ترابٍ، بلْ أمانةٌ وعهدٌ. نحنُ نُطبّقُ العدلَ حينَ نُدركُ أنَّ الظلمَ يُقابَلُ بالبوارِ في الكرامةِ قبلَ بوارِ الزرعِ.”

تعقيبُ السيدِ فحصٍ: “هذا هوَ التقاطعُ العميقُ بينَ الحكمةِ الإلهيّةِ والوجدانِ الجنوبيِّ. العدالةُ عندَنا، في الفكرِ الإسلاميِّ، هيَ صفةٌ إلهيّةٌ، وهيَ تُفرضُ على الإنسانِ كـمسؤوليةٍ (الخلافةُ). سؤالُ السيفِ الذي لا يُعادُ، يتجسَّدُ في الجنوبِ كـ “رفضِ تسليمِ كرامةِ الوطنِ لمنْ يجنُّ بقوتِهِ”. إنَّ العدلَ هُنا يخرجُ منْ كونِهِ تسويةً قانونيّةً ليُصبحَ فعلًا وجوديًا للمقاومةِ والصمودِ. هلْ عدلُكمْ هذا، نابعٌ منْ إيمانٍ مطلقٍ بحقِّ العودةِ، أمْ خوفٌ منْ ذلِّ البقاءِ تحتَ القهرِ؟ سؤالٌ سقراطيٌّ بصبغةِ التوحيدِ.”

المحور الثاني: فتنةُ السلطةِ ومُعادلةُ النقصِ البشريِّ

ارتفعَ صوتُ أحدِ المثقفينَ، مُتأثرًا بمرارةِ السياسةِ، ليُثيرَ قضيّةَ قُطبِ القوةِ في المنطقةِ: “أليستْ العدالةُ ما يخدمُ الأقوياءَ؟” ففي بيئتِنا، مَن يملكُ السلاحَ أو المالَ أو التحالفاتِ، هوَ مَن يضعُ المعاييرَ، حتى لو كانَ الثمنُ تهميشَ الريفِ لـصالحِ المدينةِ أو الفئِةِ.

ردُّ السيدِ فحصٍ (منطقُ الجدلِ): استخدمَ السيدُ فحصٍ أداةَ “الجدلِ بالتي هيَ أحسنُ” ببراعةٍ. قالَ: “إنَّنا في الفكرِ الشيعيِّ نُؤمنُ بأنَّ العدلَ هوَ وضعُ الشيءِ في موضعِهِ (القسط)، وهوَ يتجاوزُ مفهومَ المُساواةِ ليدخلَ في مفهومِ الإنصافِ. إذا كانَ القائدُ الحقيقيُّ هوَ الطبيبُ الذي يخدمُ المريضَ، فإنَّ القوةَ السياسيّةَ الحقيقيّةَ يجبُ أنْ تخدمَ أضعفَ الناسِ وأكثرَهُمْ احتياجًا. إنَّ العدلَ النسبيَّ الذي نُحقّقُهُ في الأرضِ، يجبُ أنْ يكونَ مُوجّهًا نحو مُحاكاةِ الكمالِ الإلهيِّ الذي لا يظلمُ. قوةُ السلطانِ لا تُصبحُ عدلًا إلاّ إذا خضعتْ لـضميرِ الفطرةِ المُنبعثِ منَ التوحيدِ، وإلاّ فهيَ مجرّدُ قهرٍ عارٍ.”

المحور الثالث: العدالةُ في النقلِ والأسرةِ كـ”موعظةٍ اجتماعية”

وفي ختامِ السهرةِ، عادَ النقاشُ إلى قضايا الناسِ اليوميّةِ، مثلُ عدالةِ توزيعِ خدماتِ النقلِ والكهرباءِ والفرصِ التعليميّةِ، وكيفَ تنعكسُ هذهِ الفوارقُ على استقرارِ الأسرةِ في الريفِ.

خلاصةُ السيدِ فحصٍ (الموعظة):

 اختتمَ السيدُ فحصٍ بلغةِ “الموعظةِ الحسنةِ” التي تخاطبُ الوجدانَ والمسؤوليةَ المُجتمعيّةَ: “لا يُمكنُ أنْ يتحققَ العدلُ الاجتماعيُّ إلاّ عبرَ عدالةِ الأسرةِ والحيِّ. إذا كانَ العدلُ في توزيعِ النقلِ أوِ الكهرباءِ مُبنيًا على الولاءِ أو القوّةِ الماليّةِ، فنحنُ نُكرّسُ الظلمَ. العدلُ يقتضي أنْ تكونَ الكرامةُ الإنسانيّةُ (حاجاتُ الأسرةِ الأساسيّةُ) هيَ البوصلةَ لتوزيعِ كلِّ موردٍ. هذا ليسَ مثاليّةً، بلْ هوَ شرطُ البقاءِ الاجتماعيِّ، فكما قالَ الإمامُ عليٌّ: ‘العدلُ أساسُ المُلكِ’. إنَّ العدالةَ الكاملةَ هيَ غايتُنا السماويّةُ، لكنَّ السعيَ نحوها هوَ واجبُنا الأرضيُّ المُقدّسُ.”

العدالةُ رحلةُ تساؤلٍ لا وجهةُ يقينٍ دنيويٍّ

لقدْ كشفتْ سهرةُ النبطيّةِ الفلسفيّةُ في أيّار 1993 ، أنَّ سؤالَ العدالةِ يظلُّ خالدًا، يتجدّدُ بتجدّدِ المكانِ والإنسانِ. فالحياةُ في الريفِ، ببساطتِها وتماسِها معَ الطبيعةِ، تُقدّمُ درسًا مُختلفًا: العدلُ هوَ انسجامٌ كونيٌّ، يبدأُ منْ علاقةِ الإنسانِ بأرضِهِ وينتهي بـعلاقتِهِ بـسلطتِهِ. ورغمَ يقينِ الفيلسوفِ بأنَّ العدالةَ المُطلقةَ لا تتحققُ إلاّ في التوحيدِ، فإنَّ الاجتهادَ الأرضيَّ (سعيَ الأساتذةِ والمثقفينَ) يظلُّ ضرورةً للحياةِ.

السيدُ هاني فحصٌ لمْ يُعطِ إجاباتٍ، بلْ قدّمَ إطارًا منهجيًا مستوحيًا من “الحكمةِ والموعظةِ والجدلِ”، ليُحوّلَ العدالةَ منْ مجرّدِ مفهومٍ نظريٍّ إلى مسؤوليةٍ شخصيّةٍ تُحكّمُ الأسرةَ والعملَ والبيئةَ.

ويبقى السؤالُ المُعلّقُ الذي يُثيرُ الجدلَ العالميَّ: هلْ يُمكنُ للعدلِ النسبيِّ، المُستنيرِ بحكمةِ الأديانِ والمُقاومِ لـ”قهرِ السلطانِ” و”ظلمِ الجهلِ”، أنْ ينجوَ في عالمٍ لا يعترفُ إلاّ بالقوةِ؟ هذا هوَ تحدّي النبطيّةِ الذي أُرسلَ إلى العالمِ.

اقرا ايضا: «لا يُسلَّم السلاح إلا لصاحب الزمان (عج)»: قراءة نقدية لشعار المقاومة الغيبية

السابق
بري: الابتهاج بتعطيل الجلسة التشريعية نصر وهمي لا أساس له.. لا حرب والأجواء إيجابية
التالي
بعد ليلٍ دامٍ في غزة.. الجيش الإسرائيلي يعلن العودة إلى وقف النار والتزام الإتفاق