قرار تعليق «المجلس الاعلى اللبناني السوري»: دمشق تخاطب الدولة اللبنانية فقط…

جاد الاخوي

تبلّغت وزارة الخارجيّة اللبنانيّة، عبر السفارة السوريّة في لبنان، قرار تعليق عمل *المجلس الأعلى اللبناني – السوري*، وحصر كل أنواع المراسلات بين البلدين بالطرق الرسميّة الدبلوماسيّة.

يُذكر أنّ المجلس تأسّس في العام 1991 ضمن اتفاقيّة تعاون بين البلدين، وقّع عليها الرئيسان اللبناني إلياس الهراوي والسوري حافظ الأسد.

علمت مصادر ديبلوماسية أنّ وزارة الخارجية السورية كانت قد رفضت طلبات لقاء تقدّم بها عدد من النواب اللبنانيين من الطائفتين السنية والمسيحية لزيارة دمشق ولقاء مسؤولين سوريين. وقد أبلغت دمشق الوسطاء بوضوح أنّها تريد بناء علاقتها مع الدولة اللبنانية كمؤسسة رسمية، لا مع شخصيات سياسية أو أفراد، في إشارة واضحة إلى رغبتها في إعادة تنظيم مسار التواصل بين البلدين ضمن الأطر الدستورية، بعيدًا عن المبادرات الفردية ذات الطابع السياسي أو الانتخابي.

تحوّل في المقاربة السورية: من الأفراد إلى المؤسسات

قد يبدو هذا الموقف السوري للبعض مفاجئًا، خصوصًا أنّ النظام السوري اعتاد لعقود على استخدام علاقاته مع شخصيات لبنانية كمدخل للتأثير في الحياة السياسية الداخلية.

لكن القراءة المتأنية تكشف أننا أمام تحوّل جوهري في المقاربة: دمشق تقول للبنان إنّ زمن المخاطبة عبر الأفراد انتهى، وإنّ العلاقة يجب أن تُدار من دولة إلى دولة، وفق منطق المؤسسات لا الزعامات.

هنا تكمن الفرصة التاريخية للبنان. فمنذ عقود، ظلّت العلاقة اللبنانية – السورية محكومة بمعادلة غير متكافئة: طرفٌ قويّ يعتبر نفسه وصيًا أو مرجعية، وطرفٌ ضعيفٌ يلجأ إلى الاسترضاء أو الاحتماء أو التبعية.

هذه المعادلة شوّهت مفهوم السيادة اللبنانية، وأبقت العلاقة في خانةٍ ملتبسةٍ يتداخل فيها الرسمي بالخاص، والسياسي بالمصلحي.

فرصة لبنانية نادرة: من التبعية إلى الندية

اليوم، ومن خلال هذا الموقف السوري، يمكن للبنان أن ينقلب على هذه القاعدة. فإذا كان النظام في دمشق يعلن صراحةً أنّه يريد مخاطبة الدولة اللبنانية لا النواب أو الأحزاب، فإنّ الكرة صارت في ملعب بيروت.

على الحكومة اللبنانية أن تتحرّك لتبني على هذا الموقف وتضع إطارًا واضحًا للعلاقة الرسمية مع سوريا، يقوم على أربع ركائز أساسية:

1. المؤسساتية: أي أن يكون مجلس الوزراء ووزارة الخارجية المرجع الحصري لإدارة العلاقة، لا المكاتب الحزبية ولا الزيارات الفردية ولا الوساطات الشخصية.

2. الندية: يجب أن يخرج لبنان من عقلية “الاستجداء” أو “الوصاية”، ليطرح معادلة واضحة: نحن بلدٌ ذو سيادة نريد علاقة طبيعية مع جيراننا على قاعدة الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة.

3. الملفات العالقة: أي حوار رسميّ جدي يجب أن يشمل القضايا الكبرى: ملف النازحين السوريين، الترسيم الحدودي، المعابر غير الشرعية، والتعاون الاقتصادي. معالجة هذه الملفات عبر قنوات رسمية كفيلة بإعادة صياغة العلاقة على أسس جديدة.

4. تصحيح الإطار القانوني: وهذا يتطلّب إلغاء “المجلس الأعلى اللبناني السوري” الذي أُنشئ في زمن الوصاية وتحول إلى رمزٍ لاختلال التوازن. وقد تبلّغت وزارة الخارجية بالفعل عبر السفارة السورية قرار تعليق عمل هذا المجلس.

وكذلك يجب إلغاء أو إعادة النظر في المعاهدات غير المتكافئة الموقّعة في تلك المرحلة. فالعلاقة الطبيعية لا تحتاج إلى مجالس فوقية، ولا إلى اتفاقيات تضع لبنان في موقع التابع، بل تقتصر على التمثيل الدبلوماسي الكامل عبر السفارات، وعلى التنسيق الطبيعي بين وزارتي الخارجية في البلدين.

رسالة دمشق المزدوجة: غلقٌ أمام الأفراد… وانفتاح على الدولة

إنّ الاستمرار في منطق المبادرات الفردية والزيارات المنفردة إلى دمشق لن يؤدي إلا إلى المزيد من الانقسام الداخلي، وسيحوّل العلاقة مع سوريا إلى مادة صراعٍ انتخابيٍّ وحزبيٍّ.

أمّا وضع الأمور في نصابها المؤسسي، فسيمنح لبنان فرصةً نادرة لتثبيت موقعه كدولةٍ كاملة السيادة، قادرةٍ على التصرّف بمسؤولية تجاه جيرانها.

الواقع أنّ دمشق، بقرارها الأخير، أرسلت رسالة مزدوجة: فهي من جهة تُغلق الباب أمام النواب الذين يريدون استثمار العلاقة مع النظام السوري في مشاريعهم الداخلية، لكنها من جهةٍ أخرى تفتح الباب واسعًا أمام الدولة اللبنانية إذا أرادت أن تتصرّف كدولة.

ويبقى السؤال:

هل تلتقط بيروت هذه اللحظة وتبادر إلى تحويلها إلى مسارٍ جديد من العلاقات الندية، أم تفوّت الفرصة وتبقى أسيرة ذهنية التبعية والوصاية القديمة؟

الجواب لا تحدّده دمشق وحدها، بل يحدّده بالدرجة الأولى مدى استعداد لبنان لأن يكون دولة بحق، لا ساحة مفتوحة لتجاذبات الآخرين.

اقرا ايضا: ترامب يعلن «السلام العظيم»: وقف النار في غزة يدخل التنفيذ… والعين على لبنان

السابق
عون يستقبل الشيباني: صفحة جديدة في العلاقات اللبنانية-السورية
التالي
الصحف الإيرانية: الصراع بين السلطات التنفيذية والتشريعية يتفاقم.. ظريف: الصواريخ مهمة لكن الشعب أهم