ثمة أزمات ومعاناة لا تزال قائمة في لبنان ما بعد الحرب الأخيرة، والتي خاضها حزب الله مع إسرائيل تحت مسمّى “حرب الإسناد”، ولا تزال مفاعيلها وأزماتها تتوالد يوميًا في لبنان، والجنوب بشكلٍ خاص، لكنها تتجلّى بصفة وواقع أشدّ على مواطني “جنوبي الجنوب”، أي مواطني المناطق الواقعة في الشريط الحدودي المحاذي لفلسطين المحتلة، أو ما يُطلق عليها قرى وبلدات “الحافة الأمامية”، وذلك على خلاف ما يقع من أزمات ومشاكل على بقية مواطني الجنوب اللبناني.
نزوح طويل وظروف معيشية قاسية
فمواطنو جنوبي الجنوب، حتى تاريخ اليوم، لا يزالون نازحين عن قراهم وبلداتهم المدمّرة، والتي لم يسمح العدو الإسرائيلي لهم بالعودة الطبيعية إليها، أو بوضع بيوت جاهزة أو ما شابه للعيش فيها. بالإضافة إلى أن الأكثرية منهم لا يزالون غير قادرين على الوصول إلى أراضيهم الزراعية واستثمارها، أو إعادة إصلاح ما خرّبته الحرب من مزروعات وأشجار مثمرة، كالزيتون وغيرها، كما أنهم بغالبيتهم غير قادرين على الاستفادة من أراضيهم ومزروعاتهم. كما أن عملية إعادة الإعمار لا تزال يكتنفها الكثير من الضبابية والغموض وعدم الوضوح، عدا عن غياب خطاب سياسي واضح من الدولة اللبنانية، التي تتلهّى بإجراء بعض التعيينات، وفلكلور الحوار في تطبيق حصرية السلاح ومنع المظاهر الميليشيوية في مناطق الجنوب، نتيجة الممارسات في بعض المناطق، والتي تزيد بثقلها على الجنوبيين، وترخي بظلالها على حياتهم، سواء في أماكن النزوح أو لمن حاولوا العودة والاستقرار في قراهم وبلداتهم، على الرغم من عدم توفر سبل الحياة الكريمة في مسقط رأسهم وأماكن عيشهم.
يُضاف إلى ذلك استمرار الاعتداءات الإسرائيلية، من اغتيالات واقتحامات لبعض أطراف القرى وتفجير منازل وغيرها من أشكال الترهيب للمواطنين. وهذا كله نتيجة الحرب الفاشلة التي خاضها حزب الله، والتي أعادت الاحتلال إلى مناطق كثيرة في الجنوب، وغيّرت الكثير من حياة الجنوبيين وأخذتها نحو الأسوأ. وتغطي هذه المناطق أكثر من عُشر أراضي الجمهورية اللبنانية، حيث تمتد من الناقورة غربًا على شاطئ المتوسط، حتى كفرشوبا وشبعا شرقًا، بجوار جبل حرمون.
أزمات التعليم والهجرة: مستقبل مجهول
هذه الأزمات لم ولن تقتصر على الوضعين المعيشي والسكني، بل ستُفاقم من الأزمات الاجتماعية، وما سينتج عنها حاليًا وفي المستقبل القريب كما البعيد. زد على ذلك الأزمات التربوية والتعليمية التي تطال التلامذة والجسم التعليمي، سواء ممن هم في الملاك الرسمي أو تحت مسمّيات التعاقد على اختلافها، كما في الأبنية المدرسية التي تضررت وغالبيتها دُمّرت، ومستقبل الطلاب الذين تشتتوا وتوزعوا في أماكن النزوح القريبة والبعيدة، مما سيساهم في خلق اضطراب في مستوى التعليم والتحصيل العلمي.
كل هذه الأزمات ستخلق واقعًا جديدًا في حياة الجنوبيين، يساهم في تغيير الكثير من عاداتهم وتقاليد عيشهم، ويُضاف إلى ذلك نشوء حالات اجتماعية ستنعكس سلبًا على حياتهم بشكل عام. وهذا ما سيغير مستقبلهم، وقد بدأت مؤشراته بالظهور من خلال موجات الهجرة الكبيرة في صفوف الشباب، مما سيؤثر بطبيعة الحال على النمو السكاني، ويدفع المجتمع نحو مظاهر الشيخوخة.
اقرا ايضا: يموت الناس.. ليبقى السلاح!

