لا تقتصر السياسة على كونها وسيلة لتنظيم شؤون المجتمع في مجالات الاقتصاد والصحة والتعليم والقانون، بل تتجاوز ذلك لتصبح أداة في تشكيل بنية المجتمع نفسه، من خلال القوانين التي تضبط العلاقات بين الأفراد والسلطة، وكذلك بين المواطنين فيما بينهم.
في المقابل، لا تعمل السياسة في فراغ. فهي مشروطة بسياق اجتماعي وثقافي، بل ونفسي أيضاً. فالمجتمع، بثقافته وقيمه وتاريخه، يرسم ملامح السياسة التي تُمارس فيه. وهنا، تصبح ممارسة السياسة انعكاساً مباشراً لنمط التفكير السائد، ومستوى الوعي الجمعي، والخصائص النفسية للأفراد. هذه العلاقة الجدلية بين السياسة والمجتمع لا يمكن إغفالها، إن أردنا فهم التشوهات العميقة التي تعاني منها الحياة السياسية، خصوصاً في بلد كلبنان.
سذاجة جمعية
لقد كشفت الانتخابات البلدية الأخيرة في لبنان عن وجه مألوف، لكنه أكثر سفوراً هذه المرة: السذاجة السياسية. لا نتحدث هنا عن سذاجة فردية فحسب، بل عن سذاجة جمعية تُعبّر عن فشل مزدوج، أخلاقي ومؤسساتي، في مقاربة العمل السياسي. فبدلاً من برامج انتخابية جدية تعالج أزمات الخدمات والحوكمة والتنمية، غرق الخطاب الانتخابي في الاستعراض الشخصي، وامتلأت الحملات بالشعارات الفارغة والمناكفات الطائفية. أما وسائل التواصل الاجتماعي، فكانت ساحة لتقديس الأشخاص وتبادل الألقاب، في مشهد أقرب إلى الهزل منه إلى العمل العام.
لكن هذه المظاهر ليست عابرة. إنها نتيجة تراكم طويل من اختلالات على مستويين: الذهني والنفسي. فمن الناحية الفكرية، يعاني كثير من الأفراد من ضعف في القدرة على قراءة الواقع السياسي بموضوعية، نتيجة نقص في النضج الانفعالي أو انغلاق معرفي. لذلك نراهم يتطرّفون في مواقفهم، ويتشبثون بآراء دون تمحيص، وينجرفون بسهولة خلف عبارات شعبوية أو وعود براقة.
لقد كشفت الانتخابات البلدية الأخيرة في لبنان عن وجه مألوف، لكنه أكثر سفوراً هذه المرة: السذاجة السياسية. لا نتحدث هنا عن سذاجة فردية فحسب، بل عن سذاجة جمعية تُعبّر عن فشل مزدوج، أخلاقي ومؤسساتي
أما من الناحية النفسية، فتُعتبر النرجسية السياسية واحدة من أبرز التشوهات التي تقف خلف السلوكيات اللاعقلانية في الحكم والمعارضة على حد سواء. فالشخصية النرجسية تنجذب إلى النفوذ بحثاً عن الإعجاب والسيطرة، لكنها عاجزة عن تقبّل النقد، وتضع صورتها فوق المصلحة العامة. القرارات التي تتخذها تكون، في الغالب، خاضعة لحسابات الأنا لا حسابات الوطن.
البلادة والتبسيط
ولا يتوقف الأمر عند النرجسية. فهناك من يبالغ في تقدير قدراته السياسية، ويتوهّم أنه قادر على تقديم حلول بسيطة لمشاكل معقدة. وهنا، تتحوّل “البلادة” إلى تكتيك سياسي، يظنه البعض وسيلة للظهور بمظهر القريب من الناس، بينما هو في الحقيقة مساهمة في التبسيط المُخلّ الذي يعمّق الأزمة ولا يحلّها.
إن السذاجة السياسية، إذًا، ليست صدفة. إنها نتاج تفاعل بين اختلال في التنشئة السياسية، وفراغ ثقافي، وخصائص نفسية مضطربة. لذلك، لا يمكن معالجتها إلا عبر مشروع شامل لإعادة تأهيل المواطن سياسيًا ونفسيًا، يبدأ من المدرسة، ولا ينتهي إلا بإرساء ثقافة المحاسبة، وتعزيز الشفافية، وتحرير الإعلام من الخطاب التعبوي.
فهل آن الأوان لننظر في مرآتنا السياسية، ونسأل أنفسنا بصدق: من المسؤول عن هذا التشويه العميق في مفهوم الاستحقاق السياسي؟ وهل يمكن إنقاذ ديمقراطيتنا من براثن العبث، قبل أن يتحوّل إلى قدر دائم؟
إقرأ أيضا: بالأرقام: صدور النتائج النهائية لانتخابات بلدية صيدا

