بدأت معرفتي بالراحل الحيّ ابدا فينا، لقمان سليم في عام ٢٠٠٨ في مؤتمر دعيت اليه، وكانت زوجته السيدة مونيكا تدير المؤتمر، واثر مداخلة لي عن المعتقلين، سردت فيها قصة اعتقالي من قبل المخابرات السورية، دعاني لقمان وزوجته الى شرب فنجان من القهوة في منزل العائلة الذي يضم مؤسساتهم المدنية الناشطة، وكانت المعرفة والثقة والاطمئنان ودمج “جمعية المعتقلين في السجون السورية” التي انشأتها مع “امم للتوثيق والأبحاث التي يرأسها لقمان”، وابتدأ المشوار وتعمقت معه الصداقة والمعرفة، وبفضله انتشرت قضيتنا وعلم العالم عن المعتقلين وعذاباتهم وألامهم وحاجتهم للعدالة.
مع لقمان بدأنا مشوارنا، وأقول له يا صديقي سأكمل المشوار مزودا بقوتك، وافكارك واعدا باني سأحققها مع مونيكا ومؤسستكم الكريمة .
مشروع فيلم تدمر
طلب مني لقمان ان نفكر في عمل ما، كي نحيي قضية الاعتقال، قلت له كانت تراودني في السجن فكرة فيلم سينمائي اروي فيه قصص الاعتقال وما حدث معي، فورا قال: والله فكرة، مثلا ماذا ستفعل في الفيلم ومن يعاونك؟ قلت رفاقي لا نريد ممثلين، رفاقي وانا نعيد ونحيي ما كان يحدث معنا، قال هات اسمعني شوو؟!
رويت له هذه الحادثة، قلت: “كنت اراقب من ثقب باب الحديد خارج الباحة في تدمر وكان يوم ٧ آذار ذكرى عيد البعث، واذ (بالمعتقلين السخرة) وهم معتقلون محكومون يخدمون باقي السجناء، يقتربون من باب مهجع، كي يضعوا طعاما فاخرا من الارز والدجاج وعليهم رشة صنوبر وقلوبات. شهقت وبصوت واطي كي لا يسمع الى الخارج والا اموت من الضرب والقصاص.
معا صنعنا فيلما خالدًا الى الابد من اخراج لقمان وزوجته مونيكا “فيلم تدمر” الذي جال وعرض في ٢٩ دولة، وحصد الى الان اربعة جوائز.
قال زميلي الملاصق لي:ابو وليد شو باك؟! قلت: الغداء رز ودجاج مع أربعة فراريج.. بيشهّو! قال: والله خليني شوف. قلت: لما يجي دورك!
تابعت النظر خفية، واذا بشرطيين ياتون الى الباب وهم تحت ناظري، قال الاول: زيح ياكلوا خرا مو دجاج! هؤلاء عملاء لا يحبوا فخامة الرئيس المفدى حافظ الاسد! ثمّ مدّ يده واخذ الفخذ الاول ثم الثاني والى الاربعة فراريج ، حتى اصبحوا دون أرجل، اكلهم كلهم ورفيقه يقول حرام، فأجابه: سترى شو الحرام!
فتح سحاب بنطاله وأخرج عضوه وبدأ البول على الجاطين! كل هذا تحت ناظري من الثقب الصغير. تركوا بصمة البول على طعامنا وذهبوا.
عندما ادخلوا لنا الطعام الملوّث بالبول، قلت لصديقي: بطني يوجعني وعندي اسهال وقيء لا استطيع الاكل فورا، قال لي: انا باخذ حصتك وبعطيك حصتي المساء من البطاطا!
قبلت كي لا اكل الأرز مع البول، وفي نفس الوقت بكيت قهرا، لأني لا استطع البوح بما رأيت، فالشرطيان سوف يعلمون ان أحدا حذّر السجناء، فيعاقبوني وربما فقأوا عينيَّ، ولكن وكيف لا اقول وأترك، رفاقي يأكلون طعامهم مع البول؟!
بدأ توزيع الطعام وقلت لصديقي وبقلبي غصة دخلك كيف طعمة الاكل اليوم – قال وبفخر المعرفة: يا زلمي فيهم طعمة بهار جديدة يمكن كاري مع شي تاني! ضحكت وبكيت معا وقلت مواسيا نفسي: كم مرة اكلت وشربت وقلت شو هالاكلة الطيبة مع بهار جديد”!!
أعجبت لقمان هذه القصة مع غصة ودموع من عينيه وقال: يلا رح نسمع كتير منكم بعد ان تجمع لي رفاقك وانا اعدك باني سأحقق لك حلمك.
معا صنعنا فيلما خالدًا الى الابد من اخراج لقمان وزوجته مونيكا، “فيلم تدمر” الذي جال وعرض في ٢٩ دولة، وحصد الى الان اربعة جوائز، علما بانه ما زال يعرض حتى الان، وسوف يُعرض في مركز الثقافة الفرنسي يوم ١٧ شباط الجاري ايضا.
وكنت قد انهيت كتابة قصتي “عائد من جهنم” وما زالت على الورق، لم يجرؤ احد على نشرها في زمن الوصاية السورية والاغتيالات.
بداية العام ٢٠٠٥ اخبرت لقمان عن مؤلفي فقال: هات اعطني اياه وبجاوبك بكرا. وأتى الردّ الايجابي، طُبع الكتاب في مطبعة دار الجديد وأصدر “عائد من جهنم”، والعام الماضي، صدرت الطبعة الرابعة منه.
اعمال مسرحية
في سياق الحديث مع السيدة مونيكا، طلبت منها ان نقوم بتمثيل مسرحية ايضا، لم تتردد وطلبت المساعدة من المخرج المسرحي الاستاذ رامي محلاوي، واجتمت معه برفقة زملائي من المعتقلين السابقين، سمع منا الكثير، وساعدنا على الحركات نضجت الفكرة، قدمناها لليلة واحدة، لكن المسرحية منعت لانها تمس شرف النظام السوري!
فما كان من لقمان ومونيكا الا ان عمدوا الى نقل العمل الى المانيا وساهم بدعم مادي ومعنوي لمساعدتنا بتقديم مسرحية “الكرسي الالماني” في عام ٢٠١٣ كما حدث نفس الشيء معنا في مسرحية “بلا عنوان “، بعد ان منعوها في بيروت وأصرّ لقمان ايضا على عرضها في المانيا، وبمساعدته انتشرت قضيتنا نحو العالمية، واستطعنا الوصول إلى ما نحن عليه اليوم.
مسرحية “الكرسي الالماني”، منعت لانها تمس شرف النظام السوري فما كان من لقمان ومونيكا الا ان عمدوا الى نقل العمل الى المانيا فأصبحت مسرحية عالمية
لقمان ليس فقط كان كاتبًا ومؤلفًا ثقافيًا، كان انسانا صادقا مسالما كريما، سلس المعشر يمثل رمزًا للعطاء والكرم. يسعى دائمًا لنشر المعرفة والثقافة كان صفر خوف.
كان نموذجًا للعطاء والإنسانية، وبدعمه لنا الغير مشروط المجبول بانسانيته، جعلنا لا نواجه الصعوبات وحدنا، بل شعرنا بأن هناك من يقف إلى جانبنا، لقمان والعزيزة الصديقة زوجته السيدة مونيكا بورغمان
قتلوه غدرًا، (ومن اغتاله ومن خلفهم احرقوا بنار جهنم ) تاركًا وراءه فجوة كبيرة في حياتنا وفي قلوب من عرفه. لقد فقدنا شخصًا نبيلًا، وأرواحنا تحزن لفراقه، ولكن ذكراه ستظل حية في قلوبنا وأفكارنا.”
إن فراقه ترك فراغًا لن يُملأ، لكن تأثيره العظيم سيظل معنا دائمًا،سنستمر في تذكرك بما كنت عليه، وسنسعى للحفاظ على قيمك ومبادئك. أعدك بأن نواصل الوفاء لأفكارك وسنعمل جاهدين من أجل تحقيق اهدافنا بالسلام والمحبة التي كنت تؤمن بها.”

