الجنوب ومأساة حق العودة المُصادَر!

اهل الجنوب

يبكي جنوب لبنان اليوم قتلاه ويضمد جراحه. تلك القرى، التي كانت يوماً مسرحاً لمعاناة لا توصف، تجد نفسها مرة أخرى رهينة أجندات سياسية خسيسة، حيث تبدو حياة الإنسان أقل وزناً من الحسابات الاستراتيجية. اثنان وعشرون قتيلاً، ومئة وأربعة وعشرون جريحاً: هذا هو الثمن لحق مقدّس انتهك، حق السكان في العودة إلى منازلهم وأراضيهم وجذورهم، في مواجهة احتلال كان من المفترض، تحت شعار “المقاومة”، أن لا يكون موجوداً أصلاً، لولا عمى قادة الحزب السياسي وتواطئهم.

“حزب الله” المحاصر داخلياً بفعل نقمة شعبية تتزايد وأزمات صنعها بنفسه يحاول مرة أخرى أن يتلحف بسردية “المقاومة” البالية

هذا الحق، الذي لا يقبل المساس، يُحبس اليوم في فخّ جهنمي. فمن جهة، دولة لبنانية لا تزال عاجزة، غير قادرة على ضمان أمن مواطنيها وحقوقهم. ومن جهة أخرى، الحزب المأزوم، الذي يرى في كل ثغرة فرصة، لإعادة تلميع صورته التي أفسدتها أخطاءه. وبين هذا وذاك، يقف السكان يائسين، متروكين لمصيرهم، يُستغلّون مرة أخرى بلا خجل من قِبل أولئك الذين يزعمون حمايتهم.

“حزب الله”، المحاصر داخلياً بفعل نقمة شعبية تتزايد وأزمات صنعها بنفسه، يحاول مرة أخرى أن يتلحف بسردية “المقاومة” البالية. وبينما يحاصره الشلل السياسي، سواء حول “الميثاقية”، أو السيطرة على وزارة المالية، أو تأمين التمويل لإعادة إعمار الدمار الذي تسببت به حروبه العبثية، يختار اللعب بمعاناة الناس كوسيلة لإعادة التموضع. هؤلاء الناس أنفسهم، الذين هجّروا وأُهينوا، أصبحوا مجدداً بيادق في استراتيجيته الماكرة.

إقرأ أيضاً: استمرار توافد الجنوبيين الى قراهم..والجيش اللبناني يدخل الى ميس الجبل وحولا!

ما نشهده اليوم ليس مجرد مأساة عابرة. إنها فصل آخر في لعبة خسيسة، أبطالها ليسوا المدنيين، بل الوحوش التي تزدهر في الفراغ الذي تركه غياب الدولة. نعم، هذا الفراغ هو عدونا الأكبر. نعم، الوحوش – سواء كانوا الحزب أو غيره – لا يفعلون سوى التغلغل في الشقوق، التي يتركها انهيار الدولة وارتباك طبقتها السياسية.

ما نشهده اليوم ليس مجرد مأساة عابرة إنها فصل آخر في لعبة خسيسة أبطالها ليسوا المدنيين بل الوحوش التي تزدهر في الفراغ الذي تركه غياب الدولة

هذا المشهد الدامي ليس مجرد حادثة. إنه جزء من استراتيجية أوسع، حيث يستخدم الحزب هذا النوع من الأحداث، للضغط على الدولة والمجتمع، الذين لم يتمكنا حتى الآن من التحرر من قبضته. وفي ظل حكومة قيد التشكيل، بقيادة رئيس الوزراء المكلّف نواف سلام، تأتي هذه التطورات كرسالة تهديد واضحة: كل قتيل، كل جريح، هو ورقة ضغط تُستخدم في لعبة القوة، حيث المدنيون وحدهم هم الخاسرون.

لم يعد يكفي أن نندد أو نأسف آن أوان التحرك إن حق سكان الجنوب في العودة إلى قراهم لا يمكن أن يبقى رهينة لمليشيا تدّعي “المقاومة” بينما هي في الواقع قوة احتلال متنكرة

لم يعد يكفي أن نندد أو نأسف. آن أوان التحرك. إن حق سكان الجنوب في العودة إلى قراهم، لا يمكن أن يبقى رهينة لمليشيا تدّعي “المقاومة”، بينما هي في الواقع قوة احتلال متنكرة. هذا الحق لا يمكن أن يُترك لمصير دولة متخاذلة، ولا لطبقة سياسية، كانت تدّعي أنها بديل، لكنها أثبتت أنها لا تملك سوى شعارات خاوية، وعجزاً عن تقديم خيارات فعلية.

في النهاية، الجنوب اليوم هو مرآة لفشلنا الجماعي. طالما نسمح لهذا الفراغ أن يتمدد، وطالما نسمح لهذه الوحوش أن تسكنه، سيستمر لبنان في النزيف. وكالعادة، سيكون الضعفاء هم الذين يدفعون الثمن.

السابق
استمرار توافد الجنوبيين الى قراهم..والجيش اللبناني يدخل الى ميس الجبل وحولا!
التالي
العهد الجديد وأولوية التربية والتنشئة الوطنية