أقبح جرم في بنت جبيل: رهائن في أيدي المسّاحين

شارَفَ النهايةَ، بعْدَ عَشْرِ سَنواتٍ من الإجرامِ المُنظّم، ما قد يَكُونُ أَقْبَحَ فَصْلٍ شَهِدَه قضاءُ بنتِ جبيل في تاريخه بأيدي الدَولةِ اللبنانيّة وزبانيتها في السياسة والإدارة…
تلك هي عَمَليّةُ المَساحة الإجباريّة المفترضُ حصولها على نفقةِ الدولة في منطقة بقيت غير ممسوحة في الأعوام المائة التي انقضت على انتقالها من دولةٍ “عَلِيّةٍ” إلى أخرى…
في مدى هذا القرن، كان الأهلون يُجْرونَ أعْمال إفراز الأملاك ونَقْلِها من المُتَوفّين إلى الأحياء وتقسيمها بين هؤلاءِ وبَيعها وشِرائها بعقودٍ يبرمونها فيما بينَهم وقد يوسّطون فيها المخاتير أو الكُتّاب العُدولِ وقد يكتفون بالشُهود. وقد يُسَجّلونَها في القائمقاميّة وقد لا يَفْعَلون. وكانت كلفةُ هذه الإجراءات كلّها عليهم زهيدةً لا تُذْكَر. وكانوا يَتَدبّرون أمْرَهُم أيضاً، في ظرفِ الاحتلالِ خصوصاً وفي ظلّ هامشيّةِ السلطةِ العامّةِ عموماً، بحيث يخالفون رُخَصَ البناء ولا يترتّبُ عليهِم شيءٌ من جرّاءِ ذلك…
عِوَضَ أن تَسْتَهلَّ الدولةُ أعمالَ المَسْحِ الإجباريّ بقانونٍ يعفو عن المخالَفاتِ السابقة ويُتيحُ تَسْجيلَ الأملاكِ قانوناً، على سبيل التسوية المحدودةِ الأجَل، بلا رُسُومٍ، تَرَكَت هذه العَمليّاتِ في ذِمّةِ المَكاتبِ التي رسا عليها التزامُ “التحديد والتحرير” أي المَسْح الإجباري.
هكذا وجَدَ الأهلون أنْفُسَهم رهائنَ في أيدي مسّاحينَ حاظينَ، بعِلْمِ القاصي والداني، بالدعم السياسيّ والإداريّ على مستوياتِه كافّةً.
قَبِلَ المَسّاحون بدلاً بخساً نسبيّاً من الدولة لقاءَ التزامهم الأعمالَ وهم عالمون حقّ العِلْمِ أنّهُم سيُحَصِّلونَ فَوْقَ هذا البدل عَشَراتِ أضعافِه من المَلّاكين.
وكانت الخطّة يسيرة: “إمّا أن تدفَعَ للدولة رسوماً أو غراماتٍ تامّةً (بل مبالغاً في تقديرها أيضاً!) عن كلّ إجراءٍ تحتاجُ إليه أو مخالفةٍ تبتغي تسويتها وإمّا أن تدفع لي ما هو أقلُّ من حقّ الدولةِ بكثيرٍ أو قليل، وأنا أتكفّلُ بقضاء حاجتك، مهما تكن، وإظهارك بريئاً كما ولدَتْكَ أمّك!”.
فَوْقَ ذلك، كان على مالكِ العقار أن يدفع أتعاباً للمسّاح، خلافاً لما هو معلنٌ رَسْمِيّاً، عن مُجَرّدِ المَسْحِ غَيْرِ المقترن بأيّ إجراءٍ آخر. فإن أبى الدفعَ وجبَ عليه أن يعلم أنّه معرّضٌ ل”أخطاءٍ” متنوّعةٍ ترتَكَبُ ويحتاج إصلاحُها لاحقاً إلى جهودٍ ونفقاتٍ وقد تنطوي على خلافٍ يُفْتَعَلُ بين المَلّاكِ وجيرانه. إلخ…
إلى ذلك، باتَ مَعْلوماً أنّ أملاكاً لمُتَغَيِّبينَ جرى العبثُ بملكيّتها وأنّ مشاعاتٍ استحالت ملكاً خاصّاً وهذا كلّه بنفوذ أصحاب المالِ وأهلِ النفوذ على ذوي السلطان الأعظم المزعوم… مِنَ المسّاحين.
يُفْتَرَضُ الآن (ويؤْمَلُ) أن يُصْلِحَ القُضاةُ العقاريّون الذين تنتهي إلى أيديهم ملفّاتُ المساحة واعتراضاتُ الأهْلين بعضاً من وجوه هذا الخلل. ولكنّ هذا سيستغرق وقتاً مديداً، على الأرجح، يٌجَمّدُ في خلاله بعضُ ما قد يحتاج إليه المالك من تصرّفٍ بمُلْكه.
على صعيدٍ آخر، سيكون من ضَرَبَ قد ضرب ومن لم يستطع الهرب قد دفَع! ستكون عشراتُ الملايين من الدولارات (ويقال: بل مئات!) قد انتهت إلى جيوب المَسّاحين ومُشَغِّلِيهم. وسيكون جمهورُ الأهلين قد أُلْزِمَ إلْزاماً بالفساد والإفساد، بعد اتّخاذه رهائنَ ذليلة، وهذا بهمّةِ الدولة ومعرفة مسؤوليها كافّةً…
وأمّا الآن فإنّ الأوانَ أوانُ غَسْل الأيدي بالتصريحات: لا أحدَ كان هنا في السنوات العشر الماضية، لا أحدَ وصلَ إلى عِلْمٰه شيءٌ ولا أحد كان قادراً على شَيْءٍ. لم تُشْرِق الشمسٌ يوماً على فصلٍ من فصولٰ هذه الجريمة.

آخر تحديث: 5 أغسطس، 2019 11:53 ص

مقالات تهمك >>