لبنان: حكومة ما بعد حلب؟

بعيدا عن التفاصيل الحكومية الصغيرة التي يعشش داخلها “الشيطان”، يطرح تأخر ولادة الحكومة العتيدة بسبب تراكم هذا الكم من العراقيل التي رميت في وجهها سؤالا مركزيا: هل نحن امام مرحلة تأليف حكومة وفق موازين مختلفة؟ بمعنى آخر، هل كان الرئيس المكلف سعد الحريري يشكل حكومة “ما قبل حلب”، والآن صار عليه ان يشكل “حكومة ما بعد حلب”؟ هذا السؤال تفرضه طبيعة المعادلة اللبنانية الداخلية التي يصعب التصديق لحظة واحدة ان في مقدور فريق ان يعزلها عن تطورات المنطقة الداراماتيكية، ولا سيما في المرحلة الاخيرة حيث يمكن القول ان المشهد تغير مع سقوط حلب بيد تحالف “الممانعة”. والأهم، إذا ما نظرنا مليا في مشهد حلب التي دمرت فوق رؤوس اهلها، هو هذا الصمت العميق للعالم امام هول المجزرة التي ارتكبت وترتكب في وضح النهار، من دون ان يتجاوز رد الفعل العربي او العالمي حدود المواقف اللفظية.

الصورة واضحة: تُرك السوريون يذبحون على يد النظام وايران وميليشياتها وروسيا، ولم يحرك أحد ساكنا. وإذا كان ضجيج بشار الاسد بزعم تحقيق “انتصار” في حلب قد علا في الايام القليلة الفائتة، فإن هذا الامر لا يخفي حقيقة ان محورا دوليا – اقليميا حقق تقدما كبيرا على محور آخر، على أجساد السوريين. من هنا مشروعية السؤال الذي طرح أخيرا في أكثر من دائرة نقاش سياسي في لبنان، والذي يحاول الاضاءة على نتائج ما حصل في حلب، في لبنان، وترجماته في موازين القوى، وبالتحديد في مسار تشكيل الحكومة الاولى في عهد الرئيس ميشال عون.

إقرأ ايضًا: حلب.. المذبحة!
نعم، ثمة مناخ مختلف عما كان في الايام الاولى للتأليف. وثمة شعور يتكون لدى المراقبين الدقيقي المتابعة، أن شيئا ما تغير في الداخل اللبناني، ليس بالاستناد الى ضجيج بشار الاسد أخيرا في إحدى الصحف التابعة للنظام، وهو يوجه حديثه بشكل غير مباشر الى الرئيس عون رافضا سياسة “النأي بالنفس” بالنسبة الى لبنان، بما يعني ان لبنان في عهد عون مدعو الى الانحياز الى محور اقليمي محدد، وإنما بالاستناد الى طبيعة المعركة الاقليمية القائمة، والى طبيعة الفريق اللبناني التابع لما يسمى محور “الممانعة”، والذي يقوده “حزب الله” بفئاته كافة.
يبدو الرئيس المكلف واقعا بين نارين: نار التصعيد من جانبه، فيكون كمن يطلق النار على رجله، ونار الصمت المديد، فيكون بمثابة من يصرف من رصيده بلا عائد. فالحريري وحده صاحب مصلحة ولادة سريعة للحكومة، لأنه عائد الى الحكم بعد ستة اعوام من البعد القسري، وأمامه تحدي المشي بين “حبات المطر”، فيما الآخرون، بدءا من عون وبري وصولا الى “حزب الله” لا يضيرهم مرور الوقت، وتآكل زخم تأليف الحكومة الاولى، التي، للتذكير فقط، لم ينفك رئيس الجمهورية يقلّل من اهميتها بالنسبة اليه، وقد دأب على وصفها مرارا وتكرارا بأنها ليست حكومة العهد الاولى، بل انها آخر حكومات مجلس نواب ٢٠٠٩!
هنا نعود الى الحريري قليلا ونسأل: ماذا عساه يفعل؟ هل يواصل أداء دور متلقي الضربات من كل جهة؟ ام يضع امامه استراتيجية انتظار طويلة الامد، في ظل ما يحكى عن ان ما قبل حلب ليس كما بعدها؟ انظروا جيدا في بعض الاسماء “الممانعة” المطروحة للتوزير.

السابق
استهداف «القوات» وتوزير «الصرّاف» عثّر تأليف الحكومة
التالي
روسيا ترسم استراتيجيّتها للاستحواذ على سورية