الشرق: رئيس الجمهورية: السلاح خارج الدولة آداة للهيمنة والحروب الاهلية

كتبت “الشرق ” تقول: أكد رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان، أن “صحوة الهويات الدينية والمذهبية، المهيمنة راهناً على حساب الهوية اللبنانية والعروبة والدولة الوطنية، هي وصفة جاهزة لحروب أهلية دائمة”. وشدد على أن “الوهم بتخطي الوطنيات والكيانات، وإلغاء الحدود في سبيل جهاد أممي، أو نصرة طائفية، أو تورط في نزاع خارجي، حماية لقضية أو لسلاح لا يسقط الدولة فحسب، بل يحطم إمكان تكوين الهوية الوطنية الجامعة، ويؤدي إلى زوال الدولة والوطن معا”. ولاحظ ان “أدهى ما كشفته المراحل السابقة، أن أي سلاح خارج منظومة الدولة ووحدة قرارها، يتحول جزءا من أدوات الصراع على السلطة أو الهيمنة، أو قوة احتياط، لتسعير النزاعات والحروب الأهلية”، مجدداً دعوته الى “وجوب مقاربة مسألة السلاح، من منطلق نهج الحوار، ومنطق الدولة، بعيدا من منطق الاتهام والتشكيك ومن سياسات العزل أو الهيمنة والإلغاء”. ودعا القيادات المسؤولة والنواب إلى “تحمل مسؤولياتهم بتأمين النصاب لجلسة انتخاب رئيس جديد للجمهورية ضمن الموعد الدستوري، وتجنب الوقوع في خطأ، بل في خطر الفراغ الرئاسي”، مؤكدا ان “الشعب يريد رئيساً قوياً بقوة الإرادة الوطنية الجامعة، وبقوة الدستور، وبقوة حكمته وشجاعته وتجرده”.

مواقف الرئيس سليمان جاءت خلال الاحتفال الذي جرى بعد ظهر السبت في سراي بعبدا الاثري، لإزاحة الستارة عن التماثيل النصفية لرؤساء الجمهورية منذ الاستقلال ولغاية اليوم، في حضور: نائب رئيس الحكومة سمير مقبل، عدد من الوزراء والنواب الحاليين والسابقين والمديرين العامين، شخصيات عسكرية ودينية ورؤساء بلديات قضاء بعبدا وحشد من الشخصيات، وممثلين عن عائلات الرؤساء المحتفى بهم. والتماثيل النصفية تعود للرؤساء: بشارة الخوري، كميل شمعون، فؤاد شهاب، شارل حلو، سليمان فرنجية، الياس سركيس، بشير الجميل، أمين الجميل، رينيه معوض، الياس الهراوي، اميل لحود وميشال سليمان.
في بداية الإحتفال ألقى محافظ جبل لبنان بالوكالة أنطوان سليمان كلمة، لفت فيها الى أن “محافظة جبل لبنان بتسعة رؤساء جمهورية من أصل اثني عشر، فهذا شرف كبير وحق لها ان تعتز برعاية وحضور فخامة رئيس الجمهورية، فلطالما كانت رأس الحربة في الدفاع عن لبنان والعرين الحصين لرمز الدولة وحامي الدستور، وهي نفسها عصية ابية في كل آن ومهما تغيرت الازمان”. وأكد أن “هؤلاء الرجالات خدموا الوطن منذ استقلاله، قدموا من كل مدينة أو بلدة، وكل من منحى سياسي مختلف عن الاخر، الا ان ما جمعهم وهم على راس الدولة هي ثوابت الوطنية، فعملوا على عدم جعل لبنان ممرا ومقرا للعدوان والاستعمار، لم يفرطوا بالعشرة الاف واربعمئة واثنين وخمسين كيلو مترا مربعاً”. ولفت الى أن “لبنان المسيحي ليس ضمانة للمسيحيين ولا لبنان المسلم هو ضمانة للمسلمين”
ثم تحدث الرئيس سليمان، وجاء في كلمته: “في تكريم الكبار توق الى الارتقاء معهم الى أعلى مراتب الحضور والبقاء، خصوصا حين تتزامن مناسبة تذكر رجال صاروا جزءا من تاريخنا، مع رحيل كبير هندس مصير بلده على قياس حلمه، فحول مجرى التاريخ في افريقيا والعالم. إنه نلسون مانديللا المناضل والرمز لما سماه “أمة قوس قزح بسلام مع نفسها والعالم”. وهي أمة تشبه لبنان بجماعاته المتعددة وبقدره الصعب ورسالته الاصعب”. وقال: “بين بعبدا ولبنان، قصة تختزن تاريخاً (…) إثنا عشر رئيسا في سبعين سنة من الاستقلال، جميعهم شاهدوا وشهدوا ومنهم من استشهد. صحيح أن تاريخهم في الحكم متروك لحكم التاريخ (…) إن صحوة الهويات الدينية والمذهبية، المهيمنة راهنا، على حساب الهوية اللبنانية والعروبة والدولة الوطنية في آن، هي وصفة جاهزة لحروب أهلية دائمة. إن الوهم بتخطي الوطنيات والكيانات، وإلغاء الحدود في سبيل جهاد أممي، أو نصرة طائفية، أو تورط في نزاع خارجي، حماية لقضية أو لسلاح، لا يسقط الدولة فحسب، بل يحطم إمكان تكوين الهوية الوطنية الجامعة، ويؤدي إلى زوال الدولة والوطن معا”.

وتابع سليمان: “إن استقرار لبنان، قاعدته عقد وطني واجتماعي حر، يؤمن الشراكة السياسية والمصالح المشتركة، ويفتح الأزمات لتطوير اتفاق الطائف، لا بل تحصينه ضمن آلياته، نحو دولة مدنية حديثة. يقودنا تنازع الهوية، والصراع على السلطة، والموقع الإقليمي، إلى العبرة الثانية، التي أكدتها تجارب العهود السابقة، وعنوانها، حياد لبنان الإيجابي عن المحاور، وبكلام أدق، تحييده عن الصراعات، والتي ترجمت في انحياز لبنان إلى العرب إذا اتفقوا، والحياد بينهم إذا اختلفوا، وجسدها ميثاق عام 1943، الذي أكد ضرورة إبعاد لبنان، عن منطق الأحلاف. فكلما حاد اللبنانيون عن الحياد والتحييد، وانجرفوا في لعبة المحاور، تعرض الوفاق والميثاق للاغتيال، وانفجرت البراكين الكامنة، لذلك لا يجوز تحت ذريعة أية قضية داخلية، تشريع الأبواب لتدخلات أطراف خارجية، أو تأسيس مشاريع خارجية.” وأكد أن “القاعدة الذهبية تبقى، في اعتماد سياسة خارجية، تعكس الثوابت الوفاقية الداخلية، متجنبين في ذلك، الاهتزازات الناتجة من التغيير في موازين القوى، والنفاذ دائما من الفجوة، بين الأحكام الدستورية والتوازنات الظرفية المتبدلة، والسعي تاليا لتغيير المعادلة داخل النظام”.

وقال: “عبرة ثالثة، ناتجة من الدور الطليعي، الذي قام به رؤساء الجمهورية، في مواجهة العدوانية الإسرائيلية، المتمثلة بالإحتلالات، والاعتداءات والخروقات المستمرة، وشبكات التجسس وعمليات الاغتيال، وآخرها العمل الإنتقامي الحاقد، الذي حصل صباح الاربعاء الفائت. هذه العبرة مستوحاة من مناسبة استرجاع التجارب الرئاسية. إنها ازدواجية السيادة وإمرة السلاح على أرض واحدة، وفي ظل دولة واحدة. فمنذ إباحة الحدود وانتقاص منطق السيادة، بعد اتفاق القاهرة العام 1969، دخلت وتداخلت عناصر الاحتلال ودعوات التصدي له، وتناسلت الحروب، وتراجعت هيبة وفاعلية القوى الأمنية الشرعية، الامر الذي لم ينتقص على الاطلاق، من مقدار الاعتزاز والافتخار بما تم إنجازه من تحرير على يد المقاومة، في ربيع العام 2000. وأدهى ما كشفته المراحل السابقة، أن أي سلاح خارج منظومة الدولة ووحدة قرارها، يتحول جزءا من أدوات الصراع على السلطة أو الهيمنة، أو قوة احتياط، لتسعير النزاعات والحروب الأهلية. وذلك ايضا، شأن أية مهمة، تنبري فئة أو قيادة لتنكبها، من دون الارادة الوطنية الجامعة. من هنا، واجب مقاربة مسألة السلاح، من منطلق نهج الحوار، ومنطق الدولة، بعيدا من منطق الاتهام والتشكيك ومن سياسات العزل أو الهيمنة والإلغاء”.

وشدد على “أبرز العبر المتصلة بسيرة الرؤساء ومسيرتهم، والجمهورية، فيتعلق بأهمية التمسك بمبدأ التداول الدوري والسلمي للسلطة، وهذا ما يسمح بإجراء مثل هذا الاحتفال، وهو ما ميزنا طوال عقود عن غيرنا من الدول، في هذا الشرق المضطرب. إلا أن حرصنا على توسيع قاعدة الحكم بتجديد الطبقة السياسية بالانتخاب وفقا لقانون حديث يساهم بصحة التمثيل، لا يوازيه الا حرصنا على تطبيق الدستور والقوانين المرعية، كضمان لعدم الوقوع في إغراءات التمديد أو فخ الفراغ في المؤسسات على مستوياتها كافة، خصوصا في موقع رئاسة الدولة، رمز الوطن الواحد، والسقف الضابط للسياسة الخارجية وللمؤسسات الأمنية والقضائية والعسكرية والإدارية، والمساحة العازلة بقوة الدستور، بين مختلف الفئات والجماعات المتخاصمة والمتباعدة”.

وأكد أنه “مع اقتراب موعد الاستحقاق الرئاسي، فإني أدعو القيادات المسؤولة والنواب، إلى تحمل مسؤولياتهم، وعدم التنكر للواجب والوكالة الممنوحة لهم من الشعب، بتأمين النصاب للجلسة الانتخابية، وتجنب الوقوع في خطأ، لا بل في خطر الفراغ الرئاسي. ذلك أن تجربتي 1988 و2007 أثبتتا أن الفراغ يفتح الباب لتسلل الفوضى الأمنية والسياسية والدستورية، ولم يعد الشعب، ولا الهيئات الاقتصادية، ولا النقابات والعمال، في وارد القبول بالمزيد من الأزمات السياسية، ومن التدهور الأمني والاقتصادي والاجتماعي”.

وشدد على أن “الحديث عن التوافق والتوافقية، يدفعنا إلى استحضار الحديث السائد راهنا، حيال مواصفات الرئيس العتيد الذي يريده الشعب قويا بقوة الإرادة الوطنية الجامعة، وبقوة الدستور، وبقوة حكمته وشجاعته وتجرده. وقد أظهرت التجربة التاريخية، أن الوطن المحكوم بالموازين الدقيقة لا يحتمل الخيارات القصوى، على مستوى الرجال والعقائد والمؤسسات، ويتطلب الاعتدال والشجاعة والحكمة، على كافة مستويات الحكم والمسؤولية. وبقطع النظر عن الجدل القائم إن أي رئيس مؤتمن على الدستور وعلى واجب المحافظة على استقلال لبنان ووحدته وسلامة أراضيه، يحتاج بالاضافة الى إعلاء النبرة والصوت وسقف المطالب، الى توفير مستلزمات النجاح لرؤيته السياسية، خصوصا من خلال ضمان الأداة التنفيذية اللازمة، وتوضيح الصلاحيات المنوطة برئيس الجمهورية، بالتماهي مع سلطة تنفيذية متجانسة وفاعلة، وسلطة تشريعية مراقبة وضابطة للإيقاعات. من هذه المبادئ، يستمد رئيس لبنان قوته، وليس من طائفته أو حزبه، وليس من الشارع أو تحالفات الخارج، أو عبر تركيز همه وجهوده، على قطف نجاح سياسة شعبوية لمصلحته الشخصية، إن الناس لا تعرف التاريخ الذي تصنعه، إلا بعد أن يصير تاريخا، ولا بد لهذا التاريخ من أن يسجل الحروب والمآسي التي ينجح الحاكم في تلافيها، لا فقط تلك التي يتسبب بإشعالها”.

وختم سليمان: “علينا جميعا، أن ندرك أننا على أعتاب تحولات واستحقاقات تاريخية، في الشهور المقبلة، تمهد لصناعة المستقبل. وما يفتح نافذة الأمل، هو الرهان على رغبة المواطنين، في تحييد أنفسهم ولبنان، عن منزلقات الفتنة والحروب، وعلى بشائر التسويات والحلول السياسية التي تطل على المنطقة، وعلى كون محيطنا العربي في مخاض يمكن، وإن طال الأمد، أن يحوله إلى ما يشبه لبنان التعددي والديموقراطي والمنفتح والضامن للتنوع المغني من ضمن الوحدة”. وفي ختام الاحتفال، قدم محافظ جبل لبنان الى رئيس الجمهورية درعا تذكارية، كما قدم له رئيس بلدية بعبدا هدية للمناسبة. واختتم الاحتفال بكوكتيل للمناسبة.

السابق
اللواء: طرابلس تنتظر تنفيذ الإستنابات وإعتذار المنار يُحرِج حزب الله
التالي
السفير: سليمان متردد وبري متجاوب وميقاتي متحمّس وسلام مرتاب