السفير: واشنطن تستعجل تسوية نفطية .. والفتنة تلفح طرابلس

كتبت “السفير ” تقول: ها هي الدولة، أو ما قد يشي بعد بوجودها، تصرف ما تبقى من رصيدها، على رصيف العجز وانتظار التسويات الخارجية، فتكون النتيجة إهدارا تلو إهدار، للحد الأدنى من الوطنية اللبنانية.
هل هناك ملفات، في هذه اللحظة، تتجاوز بأهميتها تداعيات الأزمة السورية والنفط والتجسس الإسرائيلي على لبنان وتحصين الأمن من طرابلس إلى الحدود الجنوبية، مرورا بكل مدينة وقرية ومنطقة لبنانية، ناهيك عن الملفات الاقتصادية والمالية والمعيشية الأكثر من أن تحصى وتعد؟
تكاد صورة المجتمعين، بالأمس، تحت قبة برلمان لبنان تشي وحدها بالكثير من الصور والعبر. فالدعوة لم تكن موجهة للهيئة العامة لنواب الأمة، بل لنواب لجنتين نيابيتين (الاتصالات والخارجية) على تماس مع ملف التنصت والتجسس الاسرائيلي على كل لبنان، ومعهم ممثلو 30 سفارة عربية وأجنبية في بيروت.
اللافت للانتباه أن النواب الذين لبوا الدعوة لم يتجاوزوا عتبة العشرين نائبا من أصل 29 من المدعوين، علما أنه كان يسجل في جلسات سابقة تدعى اليها لجنة واحدة حضور أكثر من نصف الهيئة العامة، ليتبين أن ما يجتذب هؤلاء النواب هو كل ما يتصل بالاصطفافات الفئوية، بعناوين الأجهزة الأمنية وتقاسم جبنة الهدر المالي، أما عندما يكون العنوان وطنيا بامتياز، على شاكلة جلسة الأمس، فان النصاب يكون مهددا لولا حضور السفراء والقناصل.
صحيح أنها جلسة استماع غير مسبوقة في تاريخ المجالس النيابية في لبنان، بدعوة هذا الحجم من السفراء وممثليهم للجلوس على مقاعد النواب، وليس كضيوف في مقاعد الزوار في الطبقة العليا، كما جرت العادة سابقا، غير أن التلبية الديبلوماسية شبه الكاملة (حتى أن الأميركي غاب واعتذر.. وكذلك فعل الصيني)، بيّنت أن لبنان فعلا “بيت بمنازل كثيرة”.
فقد قدم فريق الخبراء الفنيين المدعوين الى الجلسة شرحا فنيا وسينمائيا باللغة الانكليزية، تضمن الكثير من الوقائع حول الاعتداءات الاسرائيلية التجسسية على لبنان، بما في ذلك على السفارات و”اليونيفيل”، وندر أن دوّن الحضور من النواب ملاحظة أو طرح سؤالا، بينما كانت عيون الديبلوماسيين تسأل عن ردة فعل حكوماتهم ازاء هكذا عدوان، خاصة وأن فضيحة التجسس الأميركي على الكرة الأرضية بأسرها ولا سيما دول الاتحاد الأوروبي الحليفة لواشنطن، ما تزال حاضرة بتداعياتها السياسية والديبلوماسية والأمنية حتى الآن.
صحيح أن لبنان لن ينتظر من معظم هذه الدول أن تحرم اسرائيل من “داتا” ربما تكون هي نفسها شريكة في استكمال بعض معطياتها في لبنان أو غيره من الدول، لكن الوظيفة الأولى للجلسة تحققت عبر إحراج هذه الدول بالحضور والاستماع وتزويد ممثليها بملفات، في خطوة وصفها رئيس لجنة الاعلام والاتصالات النائب حسن فضل الله بـ”أنها جيدة في حد ذاتها كونها وضعت هؤلاء الديبلوماسيين أمام مسؤولياتهم، على طريقة تعامل لبنان، في مرحلة أولى، مع أي اعتداء اسرائيلي من هذا النوع، في انتظار أن يكونوا شركاء بتحمل مسؤولياتهم في المحافل الدولية وغيرها، من أجل وقف هذا العدوان الإسرائيلي السافر والخطير”.

عرض أميركي نفطي جديد
وفي السياق نفسه، يتأكد يوما بعد يوم ان ملف النفط والغاز البحري اللبناني بات يحظى باهتمام الخارج أكثر من اهتمام اللبنانيين أنفسهم به، بدليل القفز عن موضوع الجلسة الحكومية التي كان يفترض أن تخصص لإقرار مرسومي النفط المتعلقين بعقد تقاسم الأرباح مع الشركات وبتحديد “البلوكات البحرية”.
ولا يأتي وفد أجنبي الى لبنان ولا يلتقي مسؤول أجنبي بمسؤول لبناني في الخارج، الا ويكون الملف النفطي في أولوية جدول الأعمال، وهذا ما بينته بالملموس الولايات المتحدة، سواء عبر الشركات الاميركية او الزيارات المكوكية المتتالية للمسؤول السابق عن الملف النفطي فريدريك هوف، ثم خلفه مساعد وزير الخارجية الاميركي لشؤون الطاقة آموس هوشتين الى لبنان. وقد شكلت زيارة هوشتين في التاسع من الشهر الحالي محاولة لبلورة صيغة حل وسط ما بين لبنان واسرائيل، بهدف تضييق مساحة التباين حول المنطقة البحرية المتنازع عليها، وبالتالي صياغة تفاهم يؤدي الى انطلاق آمن لعمليات التنقيب واستخراج النفط والغاز.
وبحسب مصادر لبنانية معنية، فإن هوشتين طرح فكرة حل خلاصتها رسم خط ازرق بحري غير نهائي، على ان تبقى المساحة المتنازع عليها بمحاذاة هذا الخط من الجهتين اللبنانية والاسرائيلية، خارج عمليات التنقيب الى حين حسم الترسيم النهائي، على ان يتم البدء بعملية الاستثمار في بقية المناطق غير المتنازع عليها وفق اطار التفاهم او الاتفاق على الخط الازرق البحري المتوافق عليه من الطرفين.
وقالت المصادر لـ”السفير” ان الفكرة الأميركية المطروحة هي محاولة متكررة للقبول بـ”خط هوف” الذي اقترحه الموفد الاميركي السابق فريدريك هوف، ضمن مساحة الـ860 كلم2 التي يعتبرها لبنان من ضمن حدوده الاقتصادية الخالصة، على ان تكون المنطقة غير القابلة للاستثمار في الجانب اللبناني اضيق من المنطقة المقابلة في الجانب الاسرائيلي.
واشارت المصادر نفسها الى ان هوف نفسه عاد وقدم اقتراحا اميركيا بتقاسم تلك المساحة بما يعطي لبنان 500 كلم2 ويعطي اسرائيل المساحة المتبقية، وقد وافق لبنان على اخذ الـ500 كلم2، ولكنه رفض التنازل عن الـ360 كلم2، فرفض الاميركيون واصروا على صيغة 500 للبنان و360 لاسرائيل، وتبعا لذلك تم تجميد الاقتراح. واما الزيارة الاخيرة للمسؤول الاميركي فقد تمحورت حول اقامة ما يسمى “الخط الازرق البحري”، غير أن الجانب اللبناني اقترح على هوشتين ان تبادر الامم المتحدة، الى رسم خط بحري غير دائم، مع تحديد منطقة عدم الاستثمار، او ما تسمى منطقة تقاسم، وذلك الى حين وضع الخط النهائي. وقال المصدر ان المسؤول الاميركي لم يكن متجاوبا مع هذا الطرح.
وقال وزير الطاقة والمياه جبران باسيل لـ”السفير”: “هناك افكار اضافية طرحت، واستطيع القول اننا تخطينا قضية رسم الخط، بل وصلنا الى حجم الموارد، وهدفنا بلوغ حل متكامل يتضمن الحدود والموارد، ولكن مع الاسف، الامر من الجانب اللبناني يتطلب اكثر من تشاور، وليس المطلوب التشاور من اجل التشاور، بل المطلوب قرارات وخطوات ملموسة وجدية للتقدم في ملف النفط والحدود وغيره، فالمطلوب هو قرار حاسم باستفادة لبنان من ثروته في النفط والغاز، وكلما تأخرنا كان ضررنا اكبر”.
واكد رئيس حكومة تصريف الاعمال نجيب ميقاتي وجود عرض اميركي جديد، وقال لـ”السفير” ان الطرح الذي قدمه الأميركيون، “هو طرح منطقي”، وأكد أن هذا الامر لا يمكن مقاربته بطريقة منفردة، “بل يحتاج الى تشاور مع رئيسي الجمهورية ميشال سليمان ومجلس النواب نبيه بري ومع الوزير جبران باسيل، من اجل مقاربته بما يستحق من اهتمام ومسؤولية، وصولا الى اتخاذ الموقف الذي ينسجم ومصلحة لبنان العليا”.

طرابلس: الجولة 18 تتقدم
امنيا، بدأت جولة العنف الثامنة عشرة في طرابلس تتقدم على وتيرة الاعتداءات المذهبية المتصاعدة بشكل خطير ومنظم، في وقت يتردد فيه ان “جهات معينة” تزود المجموعات المسلحة بـ”داتا المعلومات” عن أبناء جبل محسن وصورهم وأماكن عملهم وأوقات عودتهم إلى منازلهم.
وفي هذا الاطار، استمرت امس، الاعتداءات على أبناء جبل محسن، حيث اقدم مسلحون على اطلاق النار على اربعة عمال على “مستديرة ابو علي”، اثناء توجههم الى منازلهم بسيارة تابعة لبلدية طرابلس واصابوهم في أقدامهم وتم نقلهم الى مستشفى السيدة في زغرتا.
وأعلنت من أسمت نفسها “اللجنة العسكرية لأولياء الدم في مسجدي التقوى والسلام” في بيان حمل “الرقم 1” ونشر على مواقع التواصل الاجتماعي، مسؤوليتها عن إطلاق النار وقالت إنها لن تتوقف ما لم تتم معاقبة علي ورفعت عيد.
وأدت هذه التطورات، وما سبقها من تنافس على رفع الاعلام والرايات الحزبية، الى توتر شديد على المحاور بين التبانة والقبة وبين جبل محسن وخصوصا محور بعل الدراويش الذي شهد، أمس، إشتباكات تدخل الجيش اللبناني على إثرها ورد على مصادر النيران وعمل على ضبط الوضع، وكذلك على محور البقار الذي شهد رمي قنبلة يدوية أدت الى جرح طفل، كما تعرض الجيش لنيران المسلحين من محور البازار ما أدى الى جرح الجنديين علاء الرفاعي وحسين نجم

السابق
النهار: مَنْ يقف وراء حرب الشائعات؟ الرصاص على الأقدام يُنذر هدنة طرابلس
التالي
الديار: الابراج الاسرائيلية تتجسس على القوى العسكرية واليونيفيل والسفارات