كتبت النهار: على رغم الشكوك التي غالباً ما رافقت تنفيذ الخطط الأمنية المتعاقبة في طرابلس والتي كانت تصطدم في كل مرّة بعودة التسيب المسلح على وقع الاشتباكات بين باب التبانة وبعل محسن، برزت أمس ملامح استعدادات لتشدد استثنائي في استكمال الخطة الأمنية التي سبقت ببعض خطوات التدهور الأخير في المدينة والذي أدّى في يومه الرابع الى رفع عدد الضحايا الى أكثر من خمسة قتلى وأكثر من 60 جريحاً ناهيك بتعطيل الحركة والمرافق التجارية والاقتصادية وإقفال المدارس. وسجّل ليل أمس انفجار واسع للاشتباكات بمختلف أنواع الأسلحة الصاروخية والرشاشة، ولوحظ أن الجيش ردّ بقوة على مصادر النيران لدى الفريقين.
وعلمت “النهار” في هذا السياق أن الاجتماع الامني الذي انعقد أمس في قصر بعبدا برئاسة رئيس الجمهورية ميشال سليمان وحضور رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي ووزير الداخلية مروان شربل وقائد الجيش العماد جان قهوجي وقادة الاجهزة الأمنية، بدا بمثابة تهيئة لاتباع نمط امني حازم للغاية في المدينة تحقيقاً لأمرين متلازمين: وقف التسيب والفلتان المستشري في الشارع من جهة واتخاذ الاجراءات الحاسمة التي من شأنها وقف الاشتباكات على المحاور التقليدية بين باب التبانة وبعل محسن من جهة أخرى.
وتشير المعلومات المتوافرة لدى “النهار” الى أن مناقشات الاجتماع الأمني شهدت تشديداً من المسؤولين الكبار على أن صدقية الجيش والقوى الأمنية باتت تحتم التعامل الحازم والحاسم مع الوضع المنذر بمزيد من التفاقم وأن الرئيس ميقاتي الذي طلب عقد الاجتماع جاء بتعهدات قاطعة من السياسيين أن لا غطاء فوق أي جماعة مسلحة.
وقد برز توجّه في الاجتماع الى وضع جميع القوى والأجهزة تحت إمرة الجيش لتنفيذ المراحل المتبقية من الخطة الأمنية بقدر عال من الحزم. وفُهم أن العماد قهوجي أخذ على عاتقه استدعاء ضباط الأركان والاعداد للاجراءات المقبلة التي سيشرع الجيش والقوى الامنية في تنفيذها في اشراف غرفة عمليات موحدة بعد استكمال الاستعدادات العسكرية واللوجستية لإطلاقها. كما أن اجتماعاً دُعي اليه جميع المدعين العامين سيعقد بعد ظهر اليوم في قصر بعبدا للاتفاق على إجراءات قضائية حازمة ومتشددة تواكب الخطة الامنية.
وأعلن ميقاتي بعد الاجتماع أن “اجراءات سريعة ستتخذ لاعادة الاطمئنان الى نفوس الطرابلسيين الذين يشعرون انهم مستهدفون ويستخدمون كصندوق بريد”، مشدداً على ان “الوضع لا يمكن ان يستمر كما هو حاصل اليوم”، موضحاً ان الخطة الامنية “ستأخذ مسلكها الكامل تباعا وما تم إقراره ستظهر نتائجه في الأيام المقبلة بإذن الله”.
حوش الحريمة
وسُجّل تطور أمني آخر أمس في حوش الحريمة بمنطقة البقاع الغربي حيث حصلت مواجهة بين دورية لمخابرات الجيش ومجموعة من المسلحين كانت تنقل متفجرات، وقتل في الاشتباك مسلحان من مجدل عنجر كما أوقف الجيش اثنين آخرين أحدهما لبناني والآخر سوري، وتبين ان أحد القتيلين كان يحمل حزاماً ناسفاً. وضبطت في سيارة المسلحين متفجرات قدرت زنتها بنحو 250 كيلوغراما. وسُجّل انتشار لوحدات من الجيش في بر الياس لاحقاً، عُزي الى حماية أحد الجنود الذي أصيب في الاشتباك مع المجموعة المسلحة.
أما في ملف المخطوفين، فعلم ان المدير العام للأمن العام اللواء عباس ابرهيم وصل بعد ظهر أمس الى قطر في ما يعتقد انه استكمال لاتصالاته في شأن ملف المطرانين المخطوفين بولس يازجي ويوحنا ابرهيم. وعلمت “النهار” أن ابرهيم سافر الى الدوحة في رفقة مدير المخابرات القطرية غانم الكبيسي الذي كان حضر الى بيروت في الطائرة التي نقلت مخطوفي اعزاز بعد اطلاقهم بوساطة قطرية.
جنيف – 2
على صعيد آخر، بدا من اللقاء الذي عقده الرئيسان سليمان وميقاتي قبل الاجتماع الأمني أن ثمة توافقاً بينهما على مشاركة لبنان في مؤتمر جنيف – 2 خلافا للمعطيات التي ترددت في هذا الموضوع . وقد لمح ميقاتي الى امكان مشاركة لبنان “لاننا البلد الاكثر تأثراً بتداعيات الازمة السورية”.
أما على الصعيد الحكومي، فجدّد الرئيس سليمان في كلمة القاها مساء امس لدى رعايته افتتاح “جادة الرئيس العماد ميشال سليمان” والقصر البلدي الجديد في الحازمية، الدعوة الى تشكيل حكومة وحدة وطنية كما الى معاودة الحوار على أساس “اعلان بعبدا”، مطالباً بعدم مقاطعة مجلس النواب “لأن المقاطعة ليست عملاً ديموقراطياً”.
السنيورة
الى ذلك، أبلغ رئيس كتلة “المستقبل” الرئيس فؤاد السنيورة “النهار” أمس أن تواصله مع رئيس مجلس النواب نبيه بري حوارياً مستمر على رغم السجال الذي انتهت اليه الجلسة النيابية الاخيرة على خلفية الجدل حول جدول أعمال الجلسة التشريعية. وقال: “لقد اتفقنا السبت الماضي على استمرار اللقاءات والتواصل بيننا وهذا ما سيحصل وهناك مصلحة بعدم انقطاع التواصل في هذه المرحلة بالذات”. ورأت أوساط السنيورة ان بري فوّت فرصة لاعادة إحياء عمل مجلس النواب برفضه اقتراحاً يتعلق بمخرج عبر هيئة مكتب المجلس مشيرة الى عيب دستوري في انعقاد مجلس النواب للتشريع العادي في ظل حكومة مستقيلة.
من ناحية أخرى، كشفت أوساط السنيورة عن اتصالات تجري خارجياً لتجنيب عرسال أي أذى في خضم الحديث عن معركة القلمون السورية، وقالت إن تيار “المستقبل” لا يملك السلاح وخياره هو الدولة. واعتبرت أن الانجاز الكبير أمنياً حققته شعبة المعلومات في قوى الأمن الداخلي بكشفها المتورطين في جريمة تفجير المسجدين في طرابلس ولذا تجري محاولات التغطية على هذا الانجاز. وانتقدت المنحى الذي أخذته اتصالات المدير العام للامن العام مع الجانب السوري بعد تحرير المخطوفين اللبنانيين في اعزاز وسيكون موقف جديد لكتلة “المستقبل” من هذا الموضوع الاسبوع المقبل. واعترفت أوساط السنيورة بأن هناك تبايناً في الامكانات والوسائل بين 8 و14 آذار، ففي حين يعتمد الفريق الاخير على الحوار والاعلام أداتين في الصراع، يعتمد الطرف الآخر على القوة وامدادات السلاح من سوريا وايران. وأكدت أوساط السنيورة أن 14 آذار لن تحيد عن الأسلوب السلمي والديموقراطي وعن سلاح الموقف الذي هو السلاح الامضى وهي متمسكة بثوابتها ولها قراءتها المقتنعة بها ولا تتكل على أي دعم خارجي للمثابرة على موقفها الحالي .

