مع تراجع احتمالات توجيه ضربة عسكرية لسوريا، اختلطت من جديد الاوراق في الاوعية اللبنانية، لاسيما ان هناك من كان يبني حساباته السياسية والحكومية على اساس ان الضربة الاميركية اصبحت في الجيب، وان ما بعدها لن يكون كما قبلها، إقليميا وداخليا.
أما وان الرئيس باراك أوباما قد خذل المراهنين على الحصان الاميركي، فان السؤال الداخلي المطروح هو: هل ستنتصر الواقعية في ملف تشكيل الحكومة؟ وهل سيُسحب “الكيميائي السياسي” من التداول المحلي على قاعدة انه لا يمكن القفز فوق مبدأ الشراكة في السلطة، مع ما يتطلبه ذلك من مشاركة فعلية لجميع المكونات السياسية في الحكومة؟
يؤكد رئيس الجمهورية ميشال سليمان لزواره في قصر بيت الدين ان الاولوية عنده “هي لحكومة وحدة وطنية تضم كل الاطراف من دون استثناء”. لكن هذا الموقف المبدئي لا يمنعه في الوقت ذاته من الجزم بأن “حكومة ما ستولد في نهاية المطاف، إذا أُستهلكت كل فرص التوافق من دون التوصل الى نتيجة إيجابية”.
وفي سياق متصل، يقول الرئيس نبيه بري لـ”السفير”، بعد عودته من إيطاليا، انه متمسك بـ”خريطة الطريق” التي قدمها للخروج من النفق، مشددا على ان “الحكومة لا يمكن ان تتشكل من دون حزب الله، والحزب ليس بحاجة الى من يتصدق عليه، بل هو من يتصدق على الآخرين”.
ماذا في تفاصيل مواقف سليمان وبري، كما تجمعت لدى “السفير”؟
بدا الرئيس نبيه بري، العائد من إجازته على الشواطئ الإيطالية، متمسكا بالمبادرة التي طرحها خلال خطاب 31 آب، برغم بعض ردود الفعل السلبية، ملاحظا ان احدا لم يطرح بديلا يمكن الانطلاق منه للخروج من المـأزق الراهن.
وعندما التقى بري النائب وليد جنبلاط في منزله في كليمنصو لتعزيته بوفاة والدته، اقترب منه وهمس في أذنه قائلا: “يبدو ان السوريين سيتفقون فيما نحن لا نزال نتجادل حول جنس الحكومة”.
ويقول بري لـ”السفير” ان “شكل الحكومة شيء وتشكيلها شيء آخر، إلا إذا كان المطلوب دورة تقوية باللغة العربية للبعض”، مؤكدا انه حريص “على عدم المساس بصلاحيات السلطتين التشريعية والتنفيذية، وما اقترحته هو مناقشة الشكل في هيئة الحوار، أما التشكيل فهو من اختصاص الرئيس المكلف، والفارق واضح بين الأمرين”.
ويشرح بري وجهة نظره، قائلا: “كما هو معلوم، يتركز النقاش في الاتصالات واللقاءات التي تتم على السعي الى التوافق حول هوية الحكومة، وهل تكون سياسية جامعة ام حيادية ام تكنوقراط؟ وهل تتألف على اساس 8-8-8 أم لا؟ من هنا، اقترحت ان يحصل حوار مباشر حول هذه النقاط بحضور الجميع، بغية كسب الوقت، ولهذا حددت مهلة الحوار بخمسة أيام قد تمدد ليوم او يومين، حتى يكون الحوار جديا ومجديا، فإذا اتفقنا كان به، وإذا اختلفنا نتفق على تنظيم الخلاف”.
ويتابع بري: “قبل أن القي خطابي كنت أعرف ان هناك من يتربص به، ولذلك حرصت على التأكيد ان طرحي لا يهدف الى الانتقاص من صلاحيات أي من السلطات، ولا الى التدخل في مهمة الرئيس المكلف المعني ببلورة الاسماء والحقائب بالتشاور مع رئيس الجمهورية، لأن هذا شأن يتعلق بالتشكيل وليس بالشكل الذي يفترض ان يكون الجميع شركاء في التفاهم عليه”.
وفي ما خص البيان الوزاري للحكومة والذي اقترح بري مناقشته في هيئة الحوار، يلفت الانتباه الى ان “عصب البيان يتصل بحسم خيار جوهري يتأرجح بين معادلة الجيش والشعب والمقاومة، وإعلان بعبدا، والبت بهذا الخيار ليس محصورا بالرئيس المكلف، بل هو يتعلق بصميم الاستراتيجية الدفاعية، ولذا اقترحت البحث في الامر على طاولة الحوار باعتباره يهم كل المكونات اللبنانية”.
وحول ما يتردد عن رفع الفيتو على مشاركة “حزب الله” في الحكومة، يقول بري: “لا أحد يربحنا جميلة بإشراك حزب الله في الحكومة. الحزب ليس بحاجة الى من يتصدق عليه، بل هو من يتصدق على الآخرين. ليكفوا عن هذه المناورات، ولا يبيعوننا من كيسنا. لا حكومة من دون حزب الله كما لا حكومة من دون المستقبل ووليد جنبلاط والكتائب والآخرين..”.
ويبدي بري قلقه من رهانات البعض على التطورات الخارجية، مؤكدا انه ضد رهان أي فريق على الخارج، ومشددا على ان ما يحصن الساحة الداخلية هو التكاتف بين اللبنانيين، “وإذا تكاتفنا نستطيع، ليس فقط ان نعالج أزمتنا، بل أن نساهم في مساعدة سوريا ايضا”.

