خطف التفجير الاجرامي الذي ضرب محلة بئر العبد، في قلب الضاحية الجنوبية بيروت، كل الاهتمامات، وغطى على الاحداث الدموية العنيفة سواء في مصر او سوريا، واشعر اللبنانيين لاول مرة، منذ ثلاثين عاماً، ان ثمة خطراً جدياً يحدق بأمنهم واستقرارهم وعيشهم المشترك.
على ان انفجار السيارة الملغومة عند الحادية عشرة من صباح امس، والذي سار نبأه سريان النار في الهشيم، بحيث غطى الافاق في اقل من ثوان على وقوعه، وكاد يشل البلد، ويخنق اية فرحة، او اية بادرة لانعاش اقتصادي او سياحي، على الرغم من الاجواء المظلمة التي احاطت بالبلاد على مدى السنتين الماضيتين، وزادها احتداماً تداعيات الحرب السورية التي دخلت عامها الثالث واعلان حزب الله مشاركته رسمياً في هذه الحرب التي تركت توترات ميدانية وسياسية في غير منطقة من لبنان، وعقّدت عمليات تأليف الحكومة، وباعدت بين الاطراف السياسية الرئيسية في البلاد، ولا سيما "حزب الله" وتيار "المستقبل"، لم يشكل مدخلاً لأي تلاقٍ بين الاطراف اللبنانية، ولم يحرك جدياً أية آلية للم الشمل، واقتصرت المواقف على التحذير من هول ما حصل، والدعوة الى التلاقي وابداء الحرص على الاستقرار، فيما كان هناك من يحوك خططاً لتحميل قوى 14 آذار "المسؤولية المعنوية" للتفجير، عبر تكرار معزوفة "الخطاب التحريضي"، بعد يوم ثقيل من الاسئلة والمخاوف عما ينتظر البلاد، اذا لم يصر الى احداث نقلة نوعية في الاداء الداخلي، والخروج من الاوهام والحسابات الصغيرة، في مرحلة سيكون من الصعب اجتيازها ما لم تقرن القيادات اللبنانية الاقوال بالافعال.
وبصرف النظر عن كيفية تسلل من وضع السيارة المفخخة في المرآب المخصص لمركز التعاون الاسلامي في بئر العبد، والذي يتسع لعشرات السيارات، عشية حلول شهر رمضان المبارك، وتوجه المواطنين الى محلات التسوق القائمة في المنطقة، فإن الحادث شكل صدمة كبيرة لدى قيادة "حزب الله"، لان التدابير التي اتخذها الحزب مع احتدام الاتهامات بينه وبين "الجيش السوري الحر"، والتنظيمات المقاتلة في سوريا، غداة تدخله الميداني في معركة القصير، جرى خرقها عند ساعات الصباح الاولى، مع العلم ان التقارير الامنية والتقديرات السياسية، فضلاً عن التهديدات باستهداف الضاحية الجنوبية كانت تؤخذ على محمل الجد، ومع ذلك حصل ما حصل.
ولم تتبنَ أية جهة المسؤولية عن العملية، ولم يصدر "حزب الله" أي بيان مباشر، وتنصلت إسرائيل على لسان وزير الدفاع موشي يعالون بأنها غير متورطة في التفجير. واصفاً اياه بأنه نتيجة النزاع بين السنّة والشيعة، واكتفى بيان قيادة الجيش بالاشارة إلى انفجار سيّارة ملغومة، وفرضت قوى الجيش طوقاً امنياً حول مكان الانفجار، ومباشرة التحقيق باشراف القضاء المختص لكشف الفاعلين، ورجحت مصادر "حزب الله" الخيارات الاتهامية بثلاث جهات:
الأولى أن تكون إسرائيل في مقدمة المتهمين، مستفيدة من الجو التحريضي الانقسامي لزيادة الشرخ بين السنّة والشيعة.
والثانية: مجموعات تخدم التوجه الإسرائيلي وترتبط بعلاقات مشبوهة مع جهات داخلية وعربية لجأت لأسلوب التفجيرات، بعد فشل "الاسلوب المذهبي".
اما الترجيح الثالث فكانت إشارة إلى تنظيمات احترفت التفجير مثل – والكلام للمصادر المقرّبة من حزب الله – "القاعدة" و"جبهة النصرة".
واعتبرت مصادر "حزب الله" أن هذا الترجيح هو الأقرب إلى المنطق لأن زنة العبوة (35 كيلوغراماً) وطريقة التفجير تدل على عمل محترفين وليس هواة.
تحريك سياسي للحكومة
اما في السياسة، وعلى الرغم من البرودة التي لا تزال تحكم علاقة الأطراف بعضها ببعض، فان انفجار بئر العبد هزّ الجمود الداخلي، وحرّك البحث عن مخارج للمأزق السياسي.
وفي هذا الإطار، نُقل عن الرئيس ميشال سليمان مطالبته قوى 8 و14 آذار دعم الرئيس المكلف تمام سلام للإسراع في تأليف الحكومة، لأن التأخير في إصدار التشكيلة الوزارية يُشكّل مجازفة كبيرة للبلد وللبنانيين.
اما الرئيس نبيه برّي فاعتبر أن هذا التفجير الذي قد يكون بداية مسلسل تفجيرات يستدعي تشكيل حكومة وحدة وطنية، بعدما باتت أكثر الحاحاً من أي يوم مضى.
وكشف برّي انه أبلغ الرئيس سلام أن حركة "امل" و"حزب الله" سيسميان الوزراء الشيعة، وانه سيقدم له لائحة طويلة من الأسماء للاختيار، وإذا اعترض فهذا حقه، وسنقدم أسماء أخرى إلى حين الاتفاق.
وأعلن برّي امام زواره ليلاً، اننا سنفاوض بشكل منفصل عن تكتل الإصلاح والتغيير، لأن التحالف على المستوى الداخلي لم يعد قائماً، لكن الاتفاق قائم على المستوى الاستراتيجي، في ما يتعلق بالمقاومة والصراع مع إسرائيل.
بدوره الرئيس فؤاد السنيورة زار الرئيس المكلف في دارته في المصيطبة، للمرة الأولى منذ التكليف قبل ثلاثة أشهر، وإن تخللتها زيارة غير معلنة ولموضوع ليس له علاقة بتأليف الحكومة، ووصفت أوساطه هذه الزيارة بأنها للتواصل والتداول في الأوضاع الراهنة.
وزادت على ذلك بقولها إننا في كتلة "المستقبل" نفضّل "حكومة مسالمين لا حكومة مقاتلين"، من دون أن تضيف شيئاً على هذه العبارة، مثل رفض مشاركة "حزب الله" في الحكومة، كما جرت العادة في خطابات ومواقف تيار "المستقبل".
وكانت الكتلة في بيانها الأسبوعي، قد استنكرت جريمة التفجير في منطقة بئر العبد، معتبرة بأن "اليد الشريرة المجرمة التي ارتكبت هذه الجريمة إنما هدفت إلى زعزعة الأمن وتحريض المواطنين على بعضهم وإشعال نار الفتنة في البلاد".
لكنها استغربت "بعض المواقف والأصوات المعيبة التي صدرت في مكان التفجير"، مشيرة إلى أنها "تدل على تعبئة تعمل على إشعال نار الفتنة بين أفراد الشعب اللبناني"، لافتة إلى أن "أول الغيث في هذا المجال هو تصريح وزير الدفاع الاسرائيلي الذي أعلن أن اسرائيل غير متورطة بتفجير بئر العبد الذي هو، على حد قوله، نتيجة النزاع السني – الشيعي والحرب الدائرة في سوريا والتي تمتد إلى لبنان، ودعت اللبنانيين إلى التنبه بشدة لهذا الكلام الخطير.
أما الرئيس سعد الحريري، فرأى أن "هذا التفجير المجرم يحملنا على التنبيه إلى وجوب العودة إلى التوافق الوطني وتفادي الانزلاق في حروب لن يكون مردودها على لبنان سوى المزيد من الانقسام ووضع الاستقرار الوطني في دائرة الخطر الدائم، وتعريضه لمؤامرات العدو الاسرائيلي".
وفي تقدير مصادر وزارية في حكومة تصريف الأعمال، أن الانفجار الارهابي في قلب المعقل الأساسي لحزب الله، حمل أكثر من رسالة، وفي أكثر من اتجاه، من أبرزها أن نار الفتنة أصبحت على الأبواب، إن لم يكن قد دخلت البيت، الأمر الذي يفرض على المعنيين أن يبادروا إلى قراءة هذه الرسائل بكثير من الروية لاستخلاص العبر منها، وأن تتسارع الخطوات للدفع قدماً في اتجاه تشكيل الحكومة في أقرب وقت، من خلال إزالة العراقيل التي تعترض طريق الرئيس المكلف، وتنازل بعض الأطراف عن الشروط التي يضعونها، لأن وجود حكومة في لبنان بات أمراً ملحّاً وطارئاً، ولم يعد مقبولاً أو مسموحاً أن يبقى البلد تحت رحمة حكومة تصريف أعمال لم تكلف نفسها عناء الاجتماع لمعالجة القضايا السياسية والأمنية التي فرضت نفسها على الساحة الداخلية في الفترة الاخيرة.
وفي هذا السياق، رأت اوساط المصيطبة، ان زيارة الرئيس السنيورة، وقبله زيارة المستشار الرئاسي خليل الهراوي، امس، ومن قبلها زيارة الوزير جبران باسيل، امس الاول، والوزير وائل ابو فاعور قبل يومين، يشير الى حراك على مستوى الحكومة، نتيجة التطورات الامنية والاقتصادية والفراغ الذي يمكن ان يحصل في المراكز الامنية، الا ان هذا الحراك لم يسفر عن شيء واضح حتى الآن.
إلا انها استدركت بالقول لـ"اللواء" بأن الامور لا بد ان تصل في فترة قريبة الى صورة نهائية والى اخراج ما للوضع الحكومي، مبدية تفاؤلاً في هذا السياق، مشيرة الى ان العمل يجري بشكل سريع وقوي لانضاج حكومة ترضي الجميع.
مواقف دولية
واذا كانت العناية الإلهية أنقذت منطقة بئر العبد، من التفجير الإرهابي، اذ لم يؤد سوى إلى أضرار مادية في السيارات المتوقفة في المرآب، وفي المحلات التجارية القريبة من المكان والأبنية السكنية، واقتصرت الإصابات على 53 جريحاً عولجوا جميعاً في المستشفيات وخرجوا منها، نظراً لإصاباتهم الطفيفة، من دون سقوط أي شهيد، فإن ردود الفعل اللبنانية أجمعت على إدانة هذه الجريمة التي استنكرها تقريباً كل الأطراف من كبار الرسميين والسياسيين والأحزاب والقوى، تزامنت مع إدانات قوية للمجتمع الدولي، ولا سيما من جانب الولايات المتحدة على لسان السفيرة الأميركية في بيروت مورا كونيللي، والأمم المتحدة على لسان منسقها الخاص في لبنان ديريك بلامبلي، وكذلك الاتحاد الأوروبي، فيما دان وزير الخارجية البريطاني وليام هيغ الذي دعا الأفرقاء اللبنانيين للعمل معاً لمقاومة أي أعمال من قبل الإرهابيين والمتطرفين لتقويض السلام الذي تم إحرازه بصعوبة في لبنان، في حين أعلنت فرنسا، على لسان المتحدث باسم وزارة الخارجية فيليب لاليو ادانتها الشديدة لحادث التفجير، وكررت التزامها باستقرار لبنان ورفضها للإرهاب، ودعت اللبنانيين الى العمل على تجنب أي تصعيد للعنف والحفاظ على الوحدة الوطنية.
وكانت قناة "المنار" التابعة لحزب الله، والتي تفردت بوحدها بالدخول إلى مكان الانفجار، قد عرضت لقطات أظهرت دماراً كبيراً وتجمعات حاشدة للسكان قبل أن يفرض الجيش اللبناني طوقاً أمنياً حول مسرح الجريمة الذي تواجد فيه عناصر غير مسلحين يرتدون ملابس مدنية ويحملون أجهزة اتصال، فيما تفقد وزير الداخلية مروان شربل المكان، حيث قوبل باحتجاج من قبل شبان غاضبين رفعوا صوراً للأمين العام لحزب الله ال سيد حسن نصر الله، وقاموا بالقاء حجارة باتجاهه بما دفع حراسه إلى اطلاق النار في الهواء، فانسحب بعد لجوء إلى أحد البنايات ريثما تأمن للحزب اخراجه، وتلقى شربل لاحقاً اتصالات تضامنت معه من الرئيس بري ومن الوزير علي حسن خليل باسم حركة "أمل" وعضو كتلة الوفاء للمقاومة النائب علي عمار.
تجدر الاشارة إلى عن هذا التفجير في الضاحية هو الأول بسيارة مفخخة منذ العام 2004 حين اغتيل القيادي في الحزب غالب عوالي، كما ان التفجير الأول من نوعه منذ بدء النزاع السوري، إلا انه يأتي في سياق سلسلة حوادث أمنية شهدتها مناطق نفوذ الحزب أبرزها سقوط صاروخين على الضاحية في 26 أيار الماضي، اضافة إلى تفجير عبوات ناسفة صغيرة في البقاع، بالتزامن مع سقوط صواريخ في الهرمل وبعلبك مصدرها الجانب السوري.

