وضعت أولادها في غرفة الجلوس من الجهة المطلة على البحر، في شقتها الكائنة في أول عبرا، وتسللت من المنزل تحمل حقيبة صغيرة.
وضعت أم رامي (خمسون عاماً)، بعض قناني المياه و«سندويتشات» سريعة وقصدت عناصر الجيش المتمركزين على رأس الشارع المؤدي إلى الحي. «قلت خطّي بيكونوا من مبارح ما صار لهم وقت ياكلو»، تقول.
فوجئ العسكر بالسيدة القادمة إليهم حاملة حقيبة، بينما يغرق الشارع في حظر تجوّل فرضه القصف والقنص والقذائف التي كانت تهزّ البيوت. لاقى أحد العسكريين أم رامي بعدما نادت عليهم كاشفة عن محتوى حقيبتها، وطلب منها العودة سريعاً إلى منزلها «خليهم لأولادك.. ألف شكر يا خالتي، معنا أكل».
تقول أم رامي إنها كانت خائفة كثيراً على أطفالها، خصوصاً أنّ زوجها يعمل في الغربة لإعالتهم. لكنّها خافت أيضاً على الجيش وقضت الليل تحرس عناصره كما أبناءها، «كنت عم عد شهداءهم وصلي حتى الله ينصرهم».
لم تنم أم رامي، كما غيرها، من سكان الحي، «كانت التلفونات شغالة كل الليل بيناتنا كجيران». خافت، خصوصاً بعدما نزح جيرانها في الطابق نفسه وبقيت وحيدة، «قلت يمكن المسلحين يقتحموا الشقة علينا، لكن مشهد استمرار بقاء الجيش بالشارع كان يطمئنني».
اليوم، بدأت السيدة الخمسينية يومها بالاتصال بزوجها المغترب، «يا بتجي بتعيش معنا، يا بتاخدنا أنا والأولاد لعندك.. ما فيّ أتحمل لوحدي بعد».
التعمير لم ينَم
ما أقلق أم رامي هو نفسه الذي قضّ مضاجع عائلة أبو بسام في تعمير حارة صيدا.
يقع «التعمير» ما بين منطقة عبرا وبين الهلالية، فيما ترابض مواقع الجيش اللبناني على التلال وراءه. ومن فوق التعمير كان القصف «يلعلع كل النهار والليل، ومنذ الساعة الثانية من بعد ظهر أمس الأول، لحظة الاعتداء على الجيش ولغاية قبل ظهر أمس»، كما يقول بسام، الابن البكر للعائلة.
القصف لم يكن هم قاطني تعمير حارة صيدا.. «الأطفال هم الهمّ الأكبر»، يقول. لم ينم الأطفال إلا بعدما تم إعطاؤهم أدوية مهدئة تناسب أعمارهم.
لم يكن بإمكان بسام إخراج أطفاله والعودة بهم إلى منزله بيروت. علق الرجل مع عائلته في منزل أهله، حيث كان يقضي عطلة نهاية الاسبوع. قال له طفله الصغير (ست سنوات): «ما بقى بدي إجي لعند التاتا أبداً».
بالكاد كان بسام قد عاد للتوّ من بولفار معروف سعد في صيدا حين بدأ إطلاق الرصاص وبدا واضحاً أن شيئاً ما قد حصل في المدينة. لم تقبل والدته أن يحمل أطفاله ويعود بهم إلى بيروت «وين بدك تروح يا أمي انتظر شوي والحالة بتهدا ومنعرف شو في». هدأ بسام ولكن «الدنيا قامت ولم تقعد»، ولم يعرف أنه سيعيش مع أطفاله ليلة من ليالي الحرب التي تخيف زوجته هذه الأيام. الزوجة نفسها تناولت مهدئاً للأعصاب مع أطفالها ولكنها لم تنم. بقيت ترتجف طوال الليل، وهي تقول «قلتلك لازم نهاجر وما سمعتني». حتى الثانية من بعد ظهر أمس كان بسام خائفاً أن يضطر إلى البقاء في صيدا ليلة إضافية وفي الظروف الأمنية نفسها.
خوف بسام واجهته عائلة لمى بالقرار بالرحيل عن المدينة مهما كانت الظروف. ومن منزلها في الهلالية، وضبت العائلة حقائبها وقصدت بيروت. «قال البابا مش رح نرجع حتى الجيش يمسك المدينة عن آخر حجر»، تقول لمى. قضت الصبية العشرينية الليل مع سبعة اشخاص من عائلتها في زاوية الغرفة المخفية في المنزل. بقي معهم زميل شقيقها الذي كان يزورهم من عبرا ولم يتمكن من العودة إلى منزل أهله. جاء فادي يحضّر مع شقيقها لامتحانات الشهادة المتوسطة، ونزح معهم إلى بيروت بعدما تعذّرت عودته. قالت له أمه: «روح يا ماما بيروت أامن لك». سمع فادي صوت أمه وأجهش بالبكاء. لم يكن يخاف على نفسه، كان قلبه مع أهله.
«همّنا اجتثاث المسلحين»
«لم يكن همّ الخبز والماء والكهرباء يشغل أهل صيدا أمس، بالرغم من غرق عاصمة الجنوب في الظلام. أمن المدينة وناسها، أمنها الاجتماعي ونسيجها المختلط كان همهم. همّ ذهاب الأطفال إلى مدارسهم وعودتهم سالمين. همّ ضرورة اجتثاث الجيش للمسلحين في المدينة وإمساكه بزمام الأمور. صيدا تريد أن تحيا، أن تعود قبلة الجنوبيين وبوابتهم الفعلية. مدينة الفقراء المفتوحة على بحر الصيادين ولقمة العيش».
بهذه المقدمة يبدأ أبو سمير حديثه من قلب عبرا المحاصرة بعدما قضى الليل وحيداً، ولكنّه مرتاح البال لبقاء زوجته وأطفاله عند شقيقتها قرب جامع الزهراء في صيدا. أول من أمس، كانت أم سمير تتناول الغداء إلى مائدة شقيقتها مع أبنائها الأربعة وبدأت الاشتباكات. على الفور اتصل الرجل بزوجته وطلب منها البقاء حيث هي «الوضع شكله خطير»، تنبأ ابن عبرا بما سيحدث. لم يأت توقعه من فراغ «نحن عايشين بالمنطقة ومنعرف الأسير شو عم يعمل»، يقول. يؤسفه أن شباب الجيش سقطوا في المكان الخطأ، «هودي خيرة الشباب لحماية الوطن، وليس ليقتلوا بدم بارد وعن سابق إصرار وتصميم».
يسأل أبو سمير عن كل هذه التجهيزات والتخطيط والسلاح، ليقول «كيف بنى الأسير ورجاله ترسانتهم؟ كيف لمجموعة لا تكنّ ولاء للوطن أن تستجلب كل هذا السلاح إلى قلب صيدا؟».
تسأله عن الكهرباء والماء والخبز، فيهزأ ليقول «آخر همي، عشنا الحرب الأهلية وما متنا من الجوع، الهمّ بمكان تاني». المكان الثاني هو «أمن صيدا، ومعها كل لبنان، وكرامة الجيش والفتنة»..

