تتركّز الأنظار في لبنان على محورين: المحور السوري لمتابعة تطوّرات ما بعد القصير، وارتدادات هذا المعطى المستجد على لبنان. والمحور الأمني في ظلّ الاشتباكات المتقطعة والمستمرّة في طرابلس، الأمر الذي جعل المواقف الرسمية والعسكرية تتقاطع تحت هذين العنوانين، حيث رفض رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان "أيّ تدخّل عسكري أجنبي في سوريا، وأيّ تدخّل لبناني في الأزمة السورية"، وشدّد على ان "الوقت حان ليدرك الجميع أهمية إبقاء ساحتنا الداخلية في منأى عن ارتدادات ما يحصل حولنا وانعكاساته الداخلية"، فيما دعا رئيس الحكومة المستقيل نجيب ميقاتي "جميع اللبنانيين الى وقف الانخراط المتمادي في الأزمة السورية"، وحذّرت قيادة الجيش من "ان استعمال السلاح سيقابل بالسلاح"، وأعلنت البدء بتنفيذ تدابير أمنية حاسمة في طرابلس وصيدا وبيروت والبقاع وجبل لبنان. وفي موازاة ذلك برز موقف بمثابة رسالة إلى السلطة في لبنان بشقّيها السياسي والقضائي، حيث أعلنت مستشارة الرئيس السوري بشار الأسد بثينة شعبان في حديث إلى قناة "الميادين": "نساند الوزير اللبناني ميشال سماحة في أسره"، هذا الموقف الذي ظهر وكأنه تدخل في شأن سياديّ لبناني، وتهديد مبطن، وذلك على وقع نشوة معركة القصير.
ذكرت مصادر مطلعة على تطوّر الأوضاع لـ"الجمهورية" ان سليمان وقيادة الجيش يساورهما شعور بأنّ الوضع في لبنان بات مفتوحاً على كل الإحتمالات، انطلاقاً من تدخّل "حزب الله" في معارك سوريا عموماً والقُصير خصوصاً، وبسبب الردود على هذا التدخّل التي تُنذر بانفجار الفتنة السنّية ـ الشيعية، وقد نجح لبنان حتى الآن في احتوائها عسكرياً وإبقائها في إطار سياسي أكثر من أمني.
وأضافت المصادر: لدى سليمان والجيش كذلك معلومات من الأجهزة الأمنية والمخابرات تفيد أن هذا الشحن المذهبي الذي ارتفعت وتيرته بشكل مؤذ في الأيام الأخيرة، بات من الصعب جداً احتواؤه في المرحلة المقبلة إذا لم تتضافرعدّة جهود أوّلها: حدّ أدنى من الحوار غير المباشر بين القوى السياسية وخصوصاً بين "حزب الله" وتيار "المستقبل".
ثانيها: مبادرة الجيش الى اتّخاذ تدابير ميدانية، وهذا ما قام به فعلاً.
ثالثها: تدخّل كل من إيران والسعودية وقطر لدى الأطراف اللبنانيين المرتبطين بهم لحثّهم على ضبط النفس.
رابعها: تحرّك القوى الدولية ولا سيما الأمم المتحدة وأوروبا والولايات المتحدة الأميركية لتعزيز الأمن الحدودي على الحدود اللبنانية ـ السورية التي باتت مستباحة كلّياً وليس في مقدور الجيش اللبناني أن يقوم بكل وظائفه ما بين الجنوب والداخل وعكار وطرابلس والبقاع، مما يرتّب مساعدة دولية. وتجري اتصالات مع الأمم المتحدة لمعرفة مدى استعداد المجتمع الدولي لتوسيع إطار القرار 1701 ليشمل الحدود اللبنانية ـ السورية.
ولكنّ المصادر عينها لفتت الى انه إذا كانت التدابير الثلاثة الأولى قابلة للتنفيذ السريع، فيبقى ان توسيع صلاحيات القرار 1701 لا يزال يصطدم برفض الدول الكبرى، ليس لأنها لا تريد ضمان حدود لبنان، بل لأنها تتخوّف من أن يؤدي هذا الانتشار الى اعتداءات من طرفي النزاع في سوريا على القوات الدولية، ممّا يجرّها عنوة عنها الى التدخّل في الأحداث السورية، وهذا الأمر لا تريده، حتى الآن على الأقلّ.
ومن جهة أخرى، وصفت مصادر مطلعة عبر "الجمهورية" موقف قيادة الجيش بأنه نوع من صرخة، ليس فقط في وجه المسلحين وأطراف الشغب والفتنة، وإنما صرخة في وجه القيادات السياسية التي تعلن دعمها للجيش وتتصرّف بشكل معاكس.
ولا تستبعد هذه المصادر من أن يُقدم الجيش على التصرّف حيال كل مصدر فتنوي، بغضّ النظر عن تحرّك النيابة العامة التي تجري حسابات سياسية قبل أن تصدر الإستنابات والأحكام بحقّ مُثيري الشغب.
تفسير لبيان الجيش
وفي تفسير لمضمون بيان قيادة الجيش قالت المصادر ان البيان صيغ بالتفاهم مع القيادة السياسية وفي ضوء المخاوف الناجمة عن التقارير الميدانية التي تتحدث عن استمرار الجمر تحت رماد طرابلس، وان ما يمكن ان تشهده المدينة خطير للغاية وقد يكون شرارة لإندلاع الفتنة في مناطق أخرى من لبنان لا قدرة على استيعابها في الوضع الراهن.
وقالت المصادر ان قائد الجيش العماد جان قهوجي اصدر البيان متكئاً على الدعم المطلق الذي حظي به من سليمان وميقاتي والقيادات الطرابلسية التي طالبت باستكمال تنفيذ الخطة الموضوعة للمدينة والضرب بيد من حديد لوقف ما يجري فيها.
تدفّق النازحين
وفي ظلّ هذه الأجواء، أعلن لبنان الرسمي عدم قدرته بعد اليوم على تحمّل تداعيات استمرار تدفّق النازحين، ودعا رئيس الجمهورية المجتمع الدولي الى "وعي خطورة العبء الذي بات يشكّله استمرار تدفّق النازحين من سوريا إلى حدّ لم يعد في إمكان لبنان حكومة وشعباً تحمّل تداعياته"، وطرح أمام سفراء الدول الاعضاء في مجلس الامن الدولي خمسة أفكار واقتراحات سيتابعها لبنان متمنّياً على المجتمع الدولي التجاوب معها.
وقالت مصادر اطّلعت على خلفيات موقف سليمان لـ"الجمهورية" إنّه كان واضحاً وصريحا للغاية، وبعدما تناول امام السفراء وفي حضور وزير الخارجية عدنان منصور ملف النازحين وما بلغه من حجم غير طبيعي فاق كلّ التوقعات والقدرات اللبنانية، وقدّم للمجتمع الدولي مخارج وحلولاً بديلة من التقصير أو التغاضي الدولي عن هذا الملف، والذي تجلّى بسقوط كلّ المراحل التنفيذية للخطة المالية التي أقرّت في مؤتمر الكويت الدولي للنازحين، وتبخّرت كلّ الأحلام اللبنانية بإمكان حصول لبنان على الحصة التي أقرّت له.
وانتقل سليمان من ملفّ النازحين ليشير الى موقف لبنان الرسمي الذي يصرّ على النأي بالنفس عن الأزمة السورية معتبراً انّه متفاهم مع رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي في هذا الإطار، وأنّ أيّ تصرّف خارج هذه المعادلة اللبنانية الرسمية لا يعني لبنان الرسمي، وهو ما فُسّر نأياً رسميا لبنانيا بالنفس عن سياسة "حزب الله" الذي تورّط في الملف السوري بالخطوات العسكرية والسياسية التي اتّخذها، والتي لا تلزم الحكومة اللبنانية في شيء، وهو ما عدّته مصادر دبلوماسية شاركت في اللقاء بأنّه "صكّ براءة" رسميّ من توجهات الحزب التي باتت خارج سياق السياسة الخارجية اللبنانية، كما عُدّ انتقاداً عنيفاً لموقف وزير الخارجية والذي تبرّأ منه رئيس الحكومة أكثر من مرّة.
عرسال وطرابلس
وفي الوقت الذي ألقت فيه مروحية سورية 4 صواريخ على وادي حميد في عرسال تجدّدت الاشتباكات في طرابلس عصر أمس بين مسلحين من آل النشار ومسلّحين آخرين في طلعة الرفاعية، بعد هدوء نسبيّ شهدته المدينة بفعل التدابير الأمنية المشدّدة وبسط سيطرة الجيش اللبناني على الأحياء التي شهدت ظهوراً مسلّحا واشتباكات، وتكثيف وجوده عند محاور القتال.
الدقماق
وفي هذا السياق اعتبر رئيس جمعية "إقرأ" الشيخ بلال الدقماق انّ الاحداث المستجدّة في طرابلس والأداء الإستفزازي الذي يمارسه آل النشار لا سيّما زعيمهم عمر النشار ما هو إلّا سكرة القصير، حيث تلقّوا جرعة دعم وعادوا إلى العبث في ارض ليست ارضهم، إذ إنّ المكان الذي يقيمون فيه ليس لأبناء بيئتهم، وهو معروف الهوية والانتماء، ويدعى سوق الحديد، طلعة سوق السمك. ورأى الدقماق أنّ حزب الله لديه مصلحة في اشكالات طرابلس وله مصلحة ان يراها الناس مدينة ارهابية مليئة برجالات الجيش السوري الحر"، وأكّد "أنّ الوضع لن يستمر على هذا المنوال، فإمّا نحن في المدينة امامهم وإلّا فإنّ مدينة الشمال ستشهد جحيماً قريبا، بل إنّ لبنان ذاهب الى الجحيم إذا لم تلعب الدولة دورها الجدّي والحقيقي". ورأى أن "ليس هناك قرار سياسيّ ناضج، صحيح انّ الجيش يتدخّل فعلاً لكنّه سرعان ما ينسحب، وفي كلّ مرّة يعيد الكرّة".
التأليف يراوح مكانه
وسط هذا المشهد، ما تزال عملية التأليف الحكومي تراوح مكانها، والرئيس المكلّف تمّام سلام يعتصم بالصمت.
ولوحظ أنّ جميع الذين زاروا رئيس الجمهورية أخيرا، استعجلوا التأليف، كما رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي الذي دعا في كلمة له عصر أمس الى تأليف حكومة بأسرع وقت ممكن لتتحمّل مسؤوليتها في إدارة الدولة ومنعاً لتمدّد الفراغ في المؤسسات، وخصوصا الأمنية والقضائية منها"، معتبراً "أنّ الظرف استثنائي، ويحتاج إلى حكومة تتعاطى مع الوقائع اليومية الإستثنائية".
لكن يبدو أنّ الرئيس المكلف لا يزال يعدّ ليس للعشرة وإنّما للعشرين .
وعلمت"الجمهورية" أنّ "حزب الله" وبعد عملية القُصير، أبلغ سلام مجدّداً وعبر موفدين، رفضه المطلق تأليف أيّ حكومة أمر واقع أو حكومة لا يكون الحزب مشاركاً فيها.

