تختبر طرابلس اليوم مدى القدرة على تنفيذ الاتفاق الامني – السياسي الذي تمّ التوصل اليه في اجتماع عُقد في منزل الرئيس نجيب ميقاتي في المدينة، التي تعيش تحت وطأة ما يشبه الاقفال وإنعدام الحركة: فالمدارس على اختلافها، من خاصة ورسمية لن تفتح ابوابها امام التلامذة، كذلك أجلت بعض فروع الجامعة اللبنانية في الشمال امتحاناتها، واصرت اللجان التي تتولى تنظيم الاعتصام في ساحة النور الابقاء على خيمتين كبيرتين استمراراً للاعتصام بعدما فتحت كافة الطرقات التي تؤدي الى الساحة، وحضر الجيش اللبناني وعناصر قوى الامن الداخلي في بدء انتشاره في النقاط المتوترة مستفيداً من تعزيزات اضافية لمغاوير البحر فضلاً عن الالوية الموجودة في المدينة، وارسال مئة وعشرين عنصراً من قوى الامن الداخلي لتعزيز القوة القادرة على ضبط الامن.
وحتى ساعات الصباح الاولى، كانت الرشقات النارية تظهر وتختفي كل نصف ساعة لما يحمل على الالتقاء انه من الصعب توقع تهدئة طويلة، ما لم تقدم السلطات المعنية من امنية وقضائية على خطوات ملموسة تعيد الاطمئنان الى سكان المدينة، وهو الامر الذي قاله مفتي طرابلس والشمال الدكتور مالك الشعار لـ"اللواء" ليل امس "من ان لا امن بلا عدالة"، وهو "غير مطمئن للوضع ما لم يبت سريعاً بموضوع الموقوفين الاسلاميين في سجن رومية".
وامتدت المعالجات في اطلاق الموقوف شادي المولوي الذي شكل توقيفه الشرارة لاندلاع الاحداث منذ يوم امس الاول، الى الاسراع ببت مصير الموقوفين الإسلاميين منذ أحداث نهر البارد.
ووفق المعلومات المتوافرة، فان المولوي كان لا يزال في عهدة الأمن العام الذي أقدمت عناصر تابعة له بعملية التوقيف عبر استدراجه إلى مكتب الوزير محمّد الصفدي في طرابلس، وسيتم تسليمه اليوم إلى القضاء المختص، الذي سيجري التحقيقات اللازمة ويتخذ القرار المناسب في شأنه.
ولفتت مصادر رسمية مطلعة إلى أن هناك شقين في هذه المسألة، الأوّل يتعلق بكيفية توقيف المولوي الاشبه بالعمل الميليشياوي المدان، والاسلوب الخاطئ الذي يجب أن يتم التعاطي مع المعنيين عنه عبر القنوات القانونية. اما الشق الثاني، فيتعلق بالأسباب الكامنة وراء توقيفه، حيث ان الامر متروك للقضاء لكشف حيثيات هذه المسألة.
وإذا كان مجلس الدفاع الأعلى الذي انعقد برئاسة رئيس الجمهورية ميشال سليمان أثنى على "الدور الذي تقوم به الأجهزة الأمنية وتوقيف الشبكات الإرهابية وتحرير المخطوفين وضبط تهريب الاسلحة"، في إشارة إلى تغطية توقيف المولوي، فان الرئيس نجيب ميقاتي وصف طريقة توقيف الشاب الطرابلسي بأنها "مرفوضة ومستنكرة، وأنا شخصياً ضد الطريقة التي اوقف فيها وسيكون لنا رأي في هذا الموضوع". اما الوزير محمد الصفدي فقد اتخذ صفة الادعاء الشخصي ضد الأمن العام، وسيتقدم وكيله بدعوى امام القضاء المختص لهذه الغاية.
ومع هذا الموقف، التقى الرئيس سعد الحريري الذي رفض الفوضى ومظاهر الخروج على الدولة "تماماً، كما هو مرفوض الأسلوب الذي تمّ فيه اعتقال الشاب شادي المولوي"، مناشداً الجميع ضبط النفس والتزام القانون، مطالباً القوى السياسية بأن تتحرك بحزم وسرعة في ملف الاعتقال والاسلوب الذي تمّ به.
وجاء موقف الرئيس ميقاتي بعد اجتماع عقد في دارته في طرابلس شارك فيه الوزيران أحمد كرامي وفيصل كرامي وغاب الوزير الصفدي الذي قام بزيارة خاصة إلى الرياض وعاد منها مساء، إضافة الى المفتي الشعّار وفاعليات طرابلسية وقيادات أمنية. وطلب ميقاتي معرفة أين أصبحت قضية الموقوفين الإسلاميين وملفاتهم، كاشفاً أنه سيلتقي اليوم وزير العدل شكيب قرطباوي للبحث معه في هذا الموضوع، فضلاً عن إثارة ملاحظاته عن طريقة التوقيف أمام الدفاع الأعلى.
الشعّار ل "اللواء": لا أمن بلا عدالة
أما المفتي الشعّار فأكد لـ "اللواء" أن الوضع في طرابلس يتحسن ساعة بعد ساعة، وأن المسلحين انسحبوا من الشوارع، وتم فتح الطرقات، والمساعي مستمرة لإنهاء الاعتصام كلياً، مطالباً بمعالجة مشاكل المدينة من جذورها، وعدم الاكتفاء بالمعالجات السطحية والطارئة، لأن حالة الاحتقان السائدة في المدينة سببها يعود إلى شعور عام عند الطرابلسيين بأنهم لا يعاملون على قدم المساواة مع مواطني المناطق الأخرى خاصة بالنسبة لتلبية حاجة المدينة إلى العديد من المشاريع الانمائية والاجتماعية، فضلاً عن حرمانهم المتمادي من حقوقهم الطبيعية في الوظائف العامة، والتي كان آخرها تعيين 17 أستاذاً في فروع الجامعة اللبنانية في طرابلس من خارج المدينة، وحرمان الأساتذة الطرابلسيين من فرصة الالتحاق بالفروع العاملة في مدينتهم.
ورداً على سؤال قال الشعّار أنه غير مطمئن، وأن لا أمن حيث لا عدالة، وأن الأمن يعود الى المدينة عندما يشعر أبناؤها بعودة العدالة.
واعتبر مفتي طرابلس أن على الدولة التي نأت بنفسها عن الأحداث في سوريا أن تلزم مؤيدي النظام ومعارضيه بعدم تحويل المدينة إلى ساحة مواجهة بينهما.
وفي هذا السياق، يترأس المفتي الشعّار قبل ظهر اليوم اجتماعاً لممثلي الحركات الاسلامية في طرابلس لمتابعة معالجة أسباب الاحتقان الحالي في المدينة، وفي مقدمة تلك الخطوات المطالبة بالافراج عن الموقوفين الاسلاميين الذين قضوا أكثر من خمس سنوات في السجن دون محاكمة، وذلك قياساً على ما جرى في محاكمة بعض العملاء الذين تمت محاكمتهم بسرعة قياسية، وتخفيض الأحكام ضدهم، وإطلاق سراحهم بعد تطبيق قانون السنة السجنية عليهم!
انجاز المطالعة هذا الاسبوع
وفي ما خص ملف الموقوفين الاسلاميين منذ احداث نهر البارد، علمت الـ "اللواء" ان مدير عام التمييز القاضي سعيد ميرزا هو في صدد انجاز المطالعة بالاساس في هذه القضية، في مدة زمنية لا تتعدى هذا الاسبوع، على ان يتولي مجلس القضاء الاعلى بعد استكماله البت بصورة اقرارية بقضية كل متهم.
ولفتت مصادر حقوقية إلى ان الموقوفين مضى عليهم في السجن فترة تزيد عن مدة الاحكام التي قد تصدر في حقهم في التهم الموجهة اليهم، وهي تتراوح بين أربع وخمس سنوات.
وخلصت نتائج الاتصالات التي جرت ان لا سبيل للتهدئة في طرابلس ما لم تسفر قضية الموقوفين الاسلاميين بصرف النظر عن التحقيق مع هذا الموقوف او ذاك لانها قضية عادلة بإعتراف رسمي وسياسي وشعبي وقضائي. وهذا المدخل هو الذي أدى الى ايجاد بداية حل للازمة الامنية الخطيرة التي اندلعت في طرابلس بعد توقيف الامن العام المولوي الذي ينتمي إلى الحركة السلفية.
بطريقة ملتبسة، بحجة أنه يتعامل مع تنظيم إرهابي، وهي الطريقة التي كانت بمثابة القشة التي قصمت ظهر بعير الاعتصام الذي نظمه الاسلاميون في ساحة عبد الحميد كرامي للمطالبة بإطلاق سراح الموقوفين الاسلاميين في السجون اللبنانية والذين مضى على توقيفهم أكثر من خمس سنوات من دون أن توجه إليهم تهمة وبينهم عدد من علماء الدين.
واندلعت على الاثر اشتباكات عمت مختلف أرجاء المدينة بعد تعرض المعتصمين لإطلاق نار وإصابة ثلاثة أشخاص منهم بجروح أحدهم في حال الخطر، لتنتقل شرارة المواجهات إلى الجبهة المشتعلة دائماً في باب التبانة وبعل محسن لتندلع اشتباكات راح ضحيتها أربعة قتلى بينهم جندي وتسعة جرحى بينهم جنديان وحال بعض الجرحى خطر.
وكان بارزاً في ردود الفعل دعوة منسقية "تيار المستقبل" في الشمال الرئيس نجيب ميقاتي ووزراء المدينة إلى الاستقالة فوراً ونواب المدينة إلى تعليق حضور جلسات مجلس النواب إلى حين بت القضية والافراج عن المعتقل المولوي وإصدار الأمن العام اعتذاراً واضحاً عن الإساءة إلى طرابلس.
أمن ساخن وإنفاق بارد
واذا كانت أحداث طرابلس قد طغت على ملف الإنفاق والإشكالات المتعلقة بتسيير أعمال الدولة، فإنه سيكون إلى جانبه مادة دسمة على طاولة مجلس الوزراء بعد غد الأربعاء.
وكشف مصدر وزاري لـ"اللــواء" أن الاتصالات الجارية للوصول إلى صيغة حل لمأزق الإنفاق المالي لا تزال تدور في حلقة مفرغة وأنها لم تصل بعد إلى الحل القانوني المقنع، لكنه أكد ان أفق هذه الاتصالات غير مسدود، وهي سيرتفع منسوبها في الساعات المقبلة التي تسبق موعد انعقاد الجلسة.
ولفت إلى ان ما يدور حوله النقاش هو طرح وزير المالية لمشروع قانون الـ4900 مليار ليرة، وإن هذا النقاش لم يصل الي حد يقال معه اننا بتنا على عتبة الدخول إلى حل قانوني يقنع الجميع، معرباً عن اعتقاده بأنه ربما يصار في نهاية المطاف إلى إعادة هذا الملف إلى البرلمان للتصويت عليه.

