"فلان تسمّم من البيتزا"، "جارتي تسمّمت بعد تناولها الغداء في أحد المطاعم"، "قريبتي قاطعت الملحمة المحاذية لمنزلها". شائعات وأخبار باتت محور أحاديث الناس في كل زمان ومكان، بعدما طغت أزمة اللحوم والمأكولات الفاسدة أخيراً على الأخبار السياسية والإقتصادية، وتقدّمت سلّم أولويات المواطن. ولكن، هل يمكن أن يتحوّل الخوف من سلامة الغذاء هستيريا جماعية؟
جنى مثلاً، حرمت أولادها من الـDelivery والمأكولات الجاهزة على أنواعها. "لن أخاطر بحياة أولادي في هذه المعمعة. أكانت الأسباب سياسيّة أو إقتصاديّة أو حتى صحيّة، ففي النهاية رأينا بأم العين اللحوم المتعفّنة والأجبان المنتهية الصلاحية".
لكن أزمة اللحوم الفاسدة ليست الأولى من نوعها في لبنان، فقبلها "إنفلوانزا الطيور" والـH1N1 والسلمونيلا، وغيرها من الموجات التي أقلقت المجتمع العالمي عموماً واللبناني خصوصاً. فكيف ينظر علم النفس إلى حالة الهلع التي يعيشها الناس؟
المعالجة النفسيّة دانيال خنيصر عفيش، تبررّ الوضع الذي تعيشه جنى. وهي ترى، إنطلاقاً من علم النفس، أنها حالة طبيعية، كونها تستند إلى أسباب واضحة ودلائل حسيّة. وتضيف موضحة: "ما دام الخوف والحذر يستندان إلى وقائع ملموسة، فهما طبيعيان". لكن في المقابل، تشددّ على أن الحالة تتخطى حدودها الطبيعية عندما تصبح هاجساً لدى الفرد، فتعوّق حياته وتسيطر على أفكاره بشكل متواصل، وخصوصاً حين يبدأ بنقلها إلى محيطه وأقاربه. وهنا، تتحدث عن حالة هستيرية قد يصل إليها الشخص، فيفقد السيطرة على أفكاره ومنطقه، وتترسخ في عقله أفكار معيّنة لا تستند إلى دليل أو مبررّ.
ولكنها تتوقف عند نقطة أساسيّة: "لا يصل مجرد شخص إلى الحالة الهستيرية تلك، بل فقط الذين هم على استعداد مسبق لذلك، وهم:
¶ الذين يعانون الوسواس القهري (OCD)، إذ يؤمن المرء بفكرة معيّنة تلازمه دائماً وتحتّل جزءاً من الوعي والشعور لديه، وتحاصر أفكاره، فتتكرّر بإستمرار في عقله إلى درجة لامتناهية تؤثّر في حياته اليومية.
¶ الذين يعانون Phobia معيّنة.
¶ أصحاب الهشاشة البنيوية، ممن يسهل الإيحاء لهم وإقناعهم بأفكار ومعتقدات وحتى شائعات، بلا سبب أو دليل، فيقتنعون بها "بشكل أعمى" من دون التفكير والتأكد منها".
إنطلاقاً من ذلك، تؤكد عفيش أن أزمة مثل مسألة اللحوم الفاسدة ليست سوى سبباً مباشراً ومحفّزاً (Déclencheur) لظهور بوادر الهستيريا عند الشخص الذي يكون لديه إستعداد مسبق ودفين لهذا القلق الجنوني وغير المنطقي. وختاماً، تنصح بعدم الإنجرار وراء الشائعات المنتشرة بكثرة في المجتمع، فيتم الإستناد إلى قصة روتها إحدى السيدات في صالون التجميل من دون برهان مثلاً، أو الإمتناع ومنع الأولاد عن تناول أطعمة معيّنة، أو تعميم الحالة على كل المطاعم أو المأكولات. لذا، ينبغي التأكد من سلامة المنتجات الغذائية والتدقيق فيها، ولكن لا داعي للهلع وتضخيم الأمور أكثر من حجمها.

