يعاني لبنان من مشكلة خطيرة سببها انخفاض معدّلات الرضاعة الطبيعية،
وما يليها، وينتج عنها، من عادات تغذية غير سليمة لدى صغار الأطفال، وهي أساسا مسؤولية المستشفيات التي لا تلتزم بشرطي عدم إعطاء زجاجة الرضاعة للمولود الجديد، وعدم الفصل بين الأمّ والرضيع في المستشفى، بالإضافة إلى الأطباء الذين لا يلتزمون "الاستراتيجيّة العالميّة للتغذيّة المثلى للرضع وصغار الأطفال"، وذلك على الأرجح بسبب قوة حضور مستوردي منتجات الحليب المصنّع ومندوبيهم في بعض المستشفيات وبين بعض الأطباء.
وأظهرت أمس "الدراسة الوطنيّة حول الرضاعة الطبيعيّة" أن لبنان يندرج في الخانة الحمراء على مستوى ممارسات تغذية الرضع وصغار الأطفال، حيث ان غالبية الرضع في لبنان (58,7 في المئة) لا يتلقون الرضاعة الطبيعية في الساعة الأولى التي تلي الولادة، في حين تبلغ نسبة الرضّع الذين يتلقّون رضاعة طبيعيّة حصريّة في خلال الأشهر الستة الأولى 14,8 في المئة فقط.
وتتراوح نسبة الرضّع دون الأشهر الستة الذين يرضعون من أمّهاتهم ويتلقّون سوائل إضافيّة بواسطة زجاجة الرضاعة 76 في المئة.
وعرض رئيس مصلحة الوقاية في وزارة الصحة الدكتور أسعد خوري نتائج الدراسة التي أجرتها "الجمعيّة اللبنانيّة لتنميّة الطفولة المبكرة" برئاسة الدكتور علي الزين بالتعاون مع وزارة الصحّة العامة، خلال لقاء تظمته الوزارة لدعم الرضاعة الطبيعيّة، بالتعاون مع "مؤسسة الرؤية العالميّة"، و"الجمعيّة المسيحيّة الأرثوذكسيّة الدوليّة"، و"الجمعيّة اللبنانيّة لتنميّة الطفولة المبكرة".
فوائد لا تعوّض
ومعلوم أن "منظّمة الصحّة العالميّة" توصي بأنه يتعّين الاعتماد على الرضاعة الطبيعيّة الحصريّة خلال الأشهر الستة الأولى من الولادة، ومتابعة الرضاعة من الثدي حتى عمر السنتين، نسبة إلى الفوائد الصحيّة التي توفّرها الرضاعة الطبيعيّة للأم والطفل.
وتشمل تلك الفوائد، وفق استشاريّة الرضاعة والمحاضرة في جامعة "البلمند" بهية عبد الله المفتي، حماية الرضيع من التقاط العدوى، ومن مشاكل الجهاز الهضمي ومن حالات الإسهال "إذ يحوي حليب الأم مواد دهنيّة توفّر المناعة الأوليّة للطفل ضدّ العدوى والأمراض، وبروتينات تحمي الرضيع من حالات الحساسيّة والسمنة على المدى الطويل، وعوامل نموّ تساهم في نموّ الدماغ و في تشكيل غشاء المعدّة.
وتشير المفتي إلى أن دراسة عالميّة أظهرت، في العام 2007، أن حليب الأمّ يخفّف من التهابات الجهاز التنفّسي عند الرضّع بنسبة 72 في المئة ، ومن إلتهابات الجهاز الهضمي بنسبة أربعة وستّين في المئة، ومن وفيات الرضّع المفاجئة بنسبة 36 في المئة، ومن سرطان الثدي بنسبة 28 في المئة ومن سرطان المبيض لدى الأمهات المرضعات بنسبة 21 في المئة.
وتوضح المفتي أن وضع المولود على صدر الأمّ مباشرة بعد الولادة يحفّز إفراز مادتي البرولاكتين والأكسيتوسين لإدرار الحليب، كما يساهم هرمون الأكسيتوسين في التخفيف من عوارض الكآبة ما بعد الولادة عند الأمّ.
وتشدد المفتي على انتشار بعض المفاهيم الخاطئة التي تسيء إلى الرضاعة الطبيعيّة مثل مقارنة الحليب المصنّع بخصائص حليب الأمّ، أو عدم تلبيّة حليب الأمهات لحاجات الرضيع، أو ضرورة إعطاء المولود سوائل أو أطعمة خلال الأشهر الستة الأولى، أو ان الرضاعة تؤدّي إلى ترهّل الثدي وعدم خسارة الوزن.
معوّقات بالجملة
أما خوري، فيعيد سبب تدني معدلات الرضاعة الطبيعة في لبنان الى وجود معوّقات عدّة مثل ممارسات المرافق الصحيّة، وقيام بعض المستشفيات بتوقيع عقود مع شركات الحليب، أو تلقي هبات وهدايا هي عبارة عن حليب مصنّع، وهو أمر كان خوري قد شرحه في مناسبة سابقة.
كما يشير خوري إلى عدم التزام الأطباء بـ "الاستراتيجيّة العالميّة للتغذيّة المثلى للرضع وصغار الأطفال" التي وقّع عليها لبنان في العام 2002، بالإضافة إلى قانون العمل الذي لا يحترم حقوق المرأة العاملة والمرضعة، وقلّة "المستشفيات الصديقة للأطفال" في لبنان التي تلتزم بالشروط الأساسيّة مثل عدم إعطاء زجاجة الرضاعة للمولود وعدم الفصل بين الأمّ والرضيع في المستشفى.
إلى ذلك، تؤكّد رئيسة دائرة التثقيف والإرشاد في وزارة الصحة الدكتورة رشا حمرا أن "اللجنة الوطنيّة لضمان التغذية المثلى للرضع وصغار الأطفال" بالتعاون مع الجمعيات الأهليّة، قامت خلال الأسبوع الحالي بتدريب العاملين الصحيّين في واحد وعشرين مستشفى لدعم الرضاعة الطبيعيّة وللحدّ من الممارسات الخاطئة، كما أطلقت نشرة تثقيفيّة عبر محطات التلفزة.

