تطلّ بيروت على الاسبوع الطالع وكأنها تخرج من استراحة بين عاصفتين. فالأعياد كانت سكبت بعض المياه الباردة على ملفات مرشحة لاستعادة حماوتها مع عودة المؤسسات من «الإجازة». وفي مفكرة «اليوميات» اللبنانية سلسلة من المواعيد المنتظرة لما تنطوي عليه من منازلات سياسية ذات طابع داخلي او على صلة بالصراع المتعاظم في سورية وتداعياته على لبنان. وتراقب بيروت باهتمام بالغ الحركة الديبلوماسية «المتدحرجة» حيال الملف السوري، لا سيما في ضوء اجتماع اللجنة العربية اليوم في القاهرة، وما قد يسفر عنه من إشارات ترتبط بمستقبل عمل فريق المراقبين العرب. وتتهيأ العاصمة اللبنانية لبلورة موقف اكثر وضوحاً من تداعيات الاحداث السورية كونها واحد من الملفات التي ستحضر على الطاولة خلال زيارة الامين العام للأمم المتحدة بان كي مون للبنان في 13 الشهر الجاري.
وفي الانتظار، تتجه الأنظار الى الجلسة التي تعقدها لجنة الدفاع البرلمانية غداً للاستماع الى وزير الدفاع فايز غصن حول كلامه عن وجود «القاعدة» في بلدة عرسال، وسط استمرار فريق المعارضة، الذي وجّه سؤالاً الى الحكومة حول هذا الملف، على اصراره على مساءلة غصن وصولاً الى طرح الثقة به، على وقع مجموعة تطورات متصلة بهذه القضية، التي تشكل واحدة من أبرز تداعيات الحدَث السوري على الواقع اللبناني، وأبرز هذه التطورات:
* استباق تلفزيون «المستقبل» جلسة الاثنين بتقرير تحدثت فيه الى السوري حمزة قرقوز وهو الشخص الذي استشهد به ليتحدث عن ايواء بلدة عرسال لـ «القاعدة» وتهريب السلاح والارهابيين الى سورية. وقد روى قرقوز ( 22 عاماً) بالصوت والصورة «كيف أن نحو عشرين مسلحا من «حزب الله» وجهاز أمن السفارة السورية، حاولوا خطفه (قبل فترة) واتهامه بتجارة السلاح بين بريتال البقاعية وسورية»، موضحاً انه ليس سوى معلم حلويات جاء الى لبنان على أمل ادخار بعض المال للزواج، بعدما أنهى خدمته العسكرية قبل سنة.
* اعلان الرئيس السابق للحكومة سعد الحريري عبر موقع «تويتر» رداً على سؤال عن طرح الثقة بوزير الدفاع «ان لا ثقة اصلاً بكل هذه الحكومة»، مكرراً ان «لا قلق على لبنان من الأزمة في سورية»، ومعتبراً انه اذا حصل تدويل لها «فهذه مشكلة النظام السوري». وفي حين وافق على ان الازمة السورية باتت مدولة، اكد «وجوب تقديم مساعدة اكبر للشعب السوري».
* دخول المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى على خط اتهامات وزير الدفاع، اذ طالب بعد اجتماعه برئاسة مفتي الجمهورية الشيخ محمد رشيد قباني الحكومة «بتحمل مسؤولياتها الوطنية تجاه ما يحصل من اتهامات خطرة عن وجود لتنظيم «القاعدة» في عرسال»، مبدياً أسفه «لاستخدام هذه التوصيفات من البعض لما فيه من انعكاسات سلبية على الوضع اللبناني عموماً والاقتصادي والسياسي خصوصاً».
ورفض «الشرعي الاعلى» التجاوزات على الحدود اللبنانية – السورية خصوصا في منطقة وادي خالد والقرى المجاورة في عكار «وما رافق ذلك من سقوط شهداء وجرحى»، داعيا «الدولة اللبنانية إلى تفعيل دورها واتخاذ جميع الإجراءات الكفيلة بالمحافظة على سلامة الوطن والمواطنين». كما أسف «لاستمرار سقوط الضحايا البريئة في سورية رغم وجود مراقبي الجامعة العربية»، مطالباً بـ «الالتزام الفعلي بمختلف بنود المبادرة العربية حفاظا على وحدة الشعب السوري وسلامته»، وآملا في احتضان السوريين الذين لجأوا إلى لبنان وتقديم الرعاية الإنسانية لهم.
وينتظر ان تخيّم هذه العناوين على الجلسة التي يعقدها مجلس الوزراء بعد غد والتي يفترض ان يحضر فيها مجدداً ملف تصحيح الاجور الذي كان عاد الى «نقطة الصفر» بعد ردّ مجلس شورى الدولة المرسوم الذي كان صدر بناء على مشروع وزير العمل شربل نحاس الذي جاء «على أنقاض» تفاهم كان أُبرم برعاية رئيسيْ الجمهورية والحكومة بين الهيئات الاقتصادية والاتحاد العمالي العام.
ومن المتوقّع ان تشهد الجلسة الحكومية «كباشا» جديداً حول هذا الملف بين فريق الرئيسين ميشال سليمان ونجيب ميقاتي ومعهما النائب وليد جنبلاط وبين فريق العماد ميشال عون و«حزب الله» وحركة «أمل» لا سيما وسط اصرار عون على السير بمشروع نحاس الذي ترفضه الهيئات الاقتصادية، وفي ظل قيام وزير العمل «بالقفز» فوق مجلس الوزراء عبر إحالة مشروع جديد الى مجلس شورى الدولة قبل ايام حتى اذا جاء رأي الاخير مؤيداً للمرسوم الجديد، عندها يحمل وزير العمل المرسوم ورأي شورى الدولة معاً الى مجلس الوزراء لاقرار المرسوم بناء على اقتراحه.
وتبعاً لـ «زحمة» الملفات يُستبعد ان يُطرح على مجلس الوزراء ملف التعيينات، وسط معلومات بان التشكيلات الديبلوماسية أُنجزت وربما يتم بتها في غضون أسبوعين لتكون «طليعة» التعيينات التي يدور «شد حبال» قاسٍ حولها لا سيما في ما يتعلق بالمناصب المسيحية بين الرئيس ميشال سليمان والعماد عون اللذين يخوضان «صراع نفوذ» دائماً وسط اعتبار زعيم «التيار الوطني الحر» انه «الرئيس الشرعي» فيما سليمان هو «الرئيس القانوني».
وكان هذا الملف اتخذ منحى بارزاً مع اعلان رئيس الجمهورية قبل ايام انه يرفض «مفهوم السلة» الواحدة ويتمسك بالتقيد بآلية التعيينات التي أقرّها مجلس الوزراء في ظل حكومة الرئيس سعد الحريري ثم عاد وتبناها في ظل الحكومة الحالية، الامر الذي اعتُبر رداً على المحاولات المتواصلة لربط التعيينات، خصوصاً في الفئة الأولى، بصفقة مقايضات متكاملة، وهو ما ينذر بان هذا الملف مقبل على «منازلات» جديدة. علماً ان رئيس البرلمان نبيه بري لاقى سليمان في موقفه من «السلة الواحدة» معتبراً انه «يمكن ملء كل مركز يُتفق عليه تباعاً»، ما قد يرخي بظلاله على العلاقة «المتذبذبة» بين عون وبري والتي كانت اهتزّت بقوة على خلفية «الصفعة» التي تلقاها «الجنرال» في ملف الاجور قبل ان يعاوَد «ترميمها» وفق «بروتوكول تعاون» تم التفاهم عليه بين «ترويكا» التيار الحر – «حزب الله» ـ حركة «أمل».
ومعلوم ان الادارة اللبنانية تعاني شغوراً في ملاك موظفيها وصل إلى 70 بالمئة، وهذه الشواغر لا تقتصر على الفئة الأولى بل تشمل ايضاً الفئتين الثانية والثالثة، وهي فئات تعود صلاحية ملئها الى مجلس الخدمة المدنية والوزارات المختصة، خلافا للفئة الأولى المنوطة حصرا بمجلس الوزراء، والمقيدة قانونا بالمناصفة بين المسيحيين والمسلمين، والتوزيع النسبي داخل كل طائفة.
ويبلغ عدد المراكز الشاغرة في الفئات كافة 15344 وظيفة، من أصل 22029 وظيفة ملحوظة في الملاك الإداري العام، أي أن هناك 6685 وظيفة مشغولة فقط.

