نيويورك اكبر الولايات الأميركية واكثرها حرية واستقلالية، من خلال جزرها المفصولة عن بعضها البعض بطرق وجسور فوق المياه وتحتها أيضاً: اوتوسترادات كبيرة تمر من تحتها مياه الجزر، وتنتشر على أرضها آلاف البنايات الشاهقة، التي تعرف بناطحات السحاب.
ولاية من أجمل الاماكن التي لا يمكن رؤيتها إلا مع تعابير الدهشة والاعجاب على الوجوه، فهي من أكثر الولايات حركة واستغلالاً لكافة إمكانياتها… مدينة غنية بالاماكن السياحية التي يحتاج زائري هذه الولاية التوقف عندها ورؤيتها والتمتع بها. فمن لم يسمع بالهدية الفرنسية المنصوبة في وسط الجزيرة والمسماة "تمثال الحرية"؟ وهو من اهم المعالم المفترض زيارتها: تمثال في وسط المياه، الوصول إليه يتم عبر السفن، والصعود إلى رأسه غاية يصبو إليها جميع زائريه لالتقاط الصور والتمتع بالصورة التي تلتقطها عيونهم من وسط المحيط عن تلك المدينة المتميزة.
هناك أيضاً "البرودواي" وهو عالم آخر مختلف عن كل الاماكن التي يمكن رؤيتها: شوارع مزينة بعشرات اللوحات الاعلانية لاهم المنتجات الاستهلاكية ولأشهر الافلام السينمائية، وفي الوسط تتمركز الكرة التي يحتفل حولها ملايين الناس في كل عام بوداع عام واستقبال العام الجديد، مسارح كبيرة منتشرة في ذاك الشارع تعرض اهم واشهر الافلام، بطريقة تمثيلية غنائية على المسرح، يحضرها الآلاف يومياً نظراً لروعتها ولدقة الاهتمام بالتفاصيل، من رقص وموسيقى ولباس والوان واشكال، بمسرحيات تأخذ الكثير من التحضير والتدريب، فلا يعود غريبا أن تكون تذكرة الدخول إلى ذاك المكان باهظة الثمن وليست بمتناول الجميع.
في الجهة المقابلة لذاك المكان يقبع المبنى الاعلى في القارة الاميركية empire state building: يتهافت الزائرون إليه لرؤية المدينة التي لا تنام من الاعالي، فتضطر إلى الانتظار للحصول على بطاقة الدخول، وتمشي في صف طويل ولمدة طويلة للوصول إلى المصعد الذي ينقلك إلى الطبقة الثمانين، فيسمع خفق قلوب الركاب والدقات المتسارعة إلى الخارج من شدة الضغط والارتفاع، والتي يمنع على الحوامل ومن يعانون مرض القلب والكبار في السن من صعودها، لتنزل بعدها وتكمل الرحلة الى السطح بالصعود ستة طبقات أخرى مشياً على الاقدام… وما إن تصل حتى ترى منظرا من أجمل المناظر، مدينة متلألئة (فعلا وليس إنشاء) بالاضواء، تكشفها الطلّة بشكل كامل ومن كافة الجهات، والملفت أنه يحق للجريء وصاحب القلب القوي أن يدفع مبلغاً اضافيا ويصعد عشرة طوابق أخرى ليرى ذاك المنظر الخلاب من مكان أعلى.

وبعد… لا يمكن إغفال أكبر حديقة في العالم، تلك التي تحوي "كل شيء"، من اشجار وازهار واراجيح ومحمية لتربية الحيوانات، كلها تطلق العنان للسكان والسواح للمجيء وتمضية نهار في الداخل للترفيه، لاسيما وان عبور هذا الـ central park يحتاج على أقل تقدير إلى يوم كامل لإنهائه ومعرفة كافة مكنوناته… فهو يربط شرق المدينة بغربها من كبره، بحيث يصبح من الصعب على الزائرين استكشافه بشكل كامل ومن كل الجهات.
مدينة تجمع تحت سمائها ملايين البشر على اختلاف انتماءاتهم الاثنية والطائفية، ويعيشون معا دون مشاكل او ضغوط، فشارع "هارلم" المشهور بانتشار مافيات المخدرات والقتل والفقر وشبكات الارهاب في زواريبه، التي يتمنع الزائرون من قصدها خوفاً من "الدعاية". والأخيرة يدحضها مديرو الفنادق الذين يشجعون زبائنهم على الذهاب والتعرف عليه عن قرب. وأيضاً الشركات السياحية تسعى إلى إقامة برامج ترفيهية وزيارات متعددة إلى هارلم لمعرفة ما يحتويه من قصص وروايات مختلفة عن باقي المناطق ولا يمكن ايجادها في باقي الولايات.
وحين نتحدث عن نيويورك لا يمكن إغفال مشهد ركاب القطار الصباحي، الذي يجمع الجميع، من كافة المناطق والمستويات، لانه الوسيلة الاسرع والاقل كلفة على "الجيبة" والبيئة والاعصاب، بسبب زحمة السير الخانقة.
في الداخل معظم الركاب يسدّون آذانهم بسمّاعات ليستمعوا إلى موسيقاهم المفضلة بصوت عال يعزلهم عمن حولهم، وهناك من يغوص في عالم الانترنت عبر الهواتف الجوالة او الكمبيوترات المحمولة لمتابعة الاخبار السياسية الصباحية او الاقتصادية أو الفنية، وعدد ضئيل يطالع الصحف اليومية قياساً برحلات مماثلة في مدن أوروبية، وغالبية الصحف التي يقرأونها إما توزع مجاناً وتركّز على الإعلانات، أو أنها محلّية إلى أبعد الحدود ولا تتناول قضايا العالم. وهم لا يتناقشون في الامور المحلية ولا يتسايرون كما يحدث في بلادنا، بل لكل راكب اسلوبه وطريقته في تمضية الوقت للوصول إلى محطته.
ليس هناك ثقافة طاغية تجمع سكان المدينة التي تعدّ عاصمة الفردية الرأسمالية الأولى، ولا يوجد سياسة محددة تطبق شبيهة بباقي الولايات، إنما هنالك "قوانين وقواعد ثابتة تجمع كافة أبناء الولاية على اختلاف توجهاتهم واتجاهاتهم لما فيه صالح الولاية واستمراريتها وتقدمها"

