أنظروا الى الفلسطينيين – وانظروا إلينا؛ وتأملوا قادتهم وتذكروا من هم عندنا. لا الموجودين اليوم بطبيعة الامر – فللذين كانوا ذات مرة، الذين انشأوا لنا دولة. ان الفلسطينيين هم اليهود الجدد ويُذكرنا قادتهم بصورة مدهشة بالقادة الصهاينة الذين كانوا ذات مرة. لم يعد دافيد بن غوريون الذي هو لهم موجودا معهم – فقد مات ياسر عرفات في ظروف غير واضحة – لكن انظروا الى محمود عباس – أليس هو ليفي اشكول؟ والى صائب عريقات – أليس هو آبا ايبان؟ والى سلام فياض – أليس هو بنحاس سبير أو اليعيزر كابلان؟ نرى نفس الاعتدال، ونفس الصبغة الرمادية، ونفس العملية ونفس الحكمة السياسية بل وبقدر ما، نفس الفكاهة، يعوزهم فقط أن يتحدثوا بالايديش. يأخذون ما يمكن الحصول عليه، وينزلون عن الأحلام الكبيرة – في خطة التقسيم كما في حل الدولتين.
كان اولئك آنذاك قادة الصهيونية العمليين الذين تخلوا وصالحوا وأصبحوا الآن قادة السلطة الفلسطينية البراغماتيين. لقد أصروا آنذاك على الخزانة كلها، وحانت نوبتنا الآن. وقد ترصدت هؤلاء واولئك في الداخل معارضة متطرفة، قومية غير مهادنة.
ان المجموعة الفلسطينية التي تمضي الآن الى الامم المتحدة، يجب ان تُذكر الاسرائيليين بالمجموعة الصهيونية التي توجهت الى المنظمة نفسها قبل ذلك بـ 64 سنة. اجل، توجد فروق ومع كل ذلك فان التشابه يسبي القلب. انهم الآن الضعفاء بازاء الأقوياء، وداود بازاء جالوت، وان صاروخ القسام لديهم لا يستطيع ألا يُذكر بـ "الدويدكا" عندنا. وهم الآن العادلون ايضا في نظر العالم. إن نفس العالم الذي أدرك في تشرين الثاني 1947 ان اليهود (والفلسطينيين) يستحقون دولة، يدرك في ايلول 2011 ان الفلسطينيين يستحقون دولة في نهاية الامر. كان ذلك بعد صدمة المحرقة وهو الآن بعد صدمة الاحتلال، دونما مقارنة.
في الايام القريبة سيلتصقون مرة اخرى ببث المذياع ويعدون الأصوات: روسيا – تؤيد؛ الولايات المتحدة – تعارض؛ الارجنتين – تمتنع. ألا يُذكر هذا بأمور منسية؟ ان الامم المتحدة قد كبرت منذ ذلك الحين لكن التناسب سيكون مشابها وذاك ان أكثرية مطلقة ستؤيد. والفرق أن القوى العظمى أيدت التقسيم آنذاك، والقوة العظمى تعارض الدولة الآن. لكن النفاذ الاخلاقي بقي نفس النفاذ، ولم يعد يوجد في العالم من يستطيع أن يزعم بجدية أن ما استحققناه لا يستحقونه من غير ان يكون عنصريا أو قوميا أو انتهازيا عابثا.
من المدهش كيف ان الاسرائيليين غير مستعدين لملاحظة خطوط التشابه، ومن المدهش كيف يقعون أسرى وعميانا بازاء حملة غسل الدماغ ودعاية التخويف اللتين تعرضان الاعتراف بحقوق الفلسطينيين باعتباره تهديدا وخطرا وجوديا وأنه وهم فقط. وكيف لا يوجد عدد كاف من الاسرائيليين لا يرون الاحتمال والأمل لاسرائيل، اجل، لاسرائيل ايضا الكامنين في هذه المسيرة السياسية. وكيف لا يوجد عدد كاف من الاسرائيليين يرى بحق الحقيقة القوية وهي أن قلب العالم كله مع الفلسطينيين تقريبا – ولا يُقرع بذلك عندهم تنبيه يقظة متأخر يصم الآذان.
عُدت اسرائيل في مهدها عضوا قدوة أكثر من فلسطين في مهدها. فقد وهبت للعالم قيما اشتراكية ونسوية، والكيبوتس والقرية الزراعية واستيعاب الهجرة ومساواة النساء، ومنارة مساواة وعدل اجتماعي. أما الفلسطينيون فموجودون الآن في موقف دوني: فمجتمعهم أفسد وأقل مساواة من مجتمعنا، ولم يستطيعوا ايضا ان ينشئوا لأنفسهم دولة قادمة مع مؤسسات مدهشة كتلك التي كانت لنا.
لكن الامور هنا ايضا انقلبت رأسا على عقب بحيث لم تعد تُعرف: فاسرائيل في 2011 لم تعد تُعد عضوا قدوة في أي مجال. فمع غير قليل من الساسة الاسرائيليين الفاسدين، في السجن أو في الطريق اليه، ومع رأسمالية خنزيرية كثيرا واحتلال قاس كثيرا، تُعد قصة النجاح القومية والاجتماعية الكبرى في القرن العشرين، تُعد الآن قصة اضاعة الفرصة والفشل في القرن الواحد والعشرين. ان الطريق الى اصلاح اضاعة الفرصة المصيرية هذه يجب أن يمر بخطة التقسيم الجديدة.
نزف الفلسطينيون 63 سنة، ودفعوا ثمن الخطأ المصيري الذي هو معارضة قادتهم لخطة التقسيم في 1947؛ فلا يجوز أن يأسف الاسرائيليون الآن مدة 63 سنة اخرى ويدفعوا ثمنا باهظا عن معارضتهم العنيدة غير المفهومة لخطة التقسيم 2011. انظروا اليهم وأبصروهم: انهم نحن الذين كنا ذات مرة.

