أزمة الدين وتراجع الدور الأميركي

ليست تلك أزمة وجودية. لا قوات أجنبية تستعد لغزو الولايات المتحدة. السوفيات ذهبوا منذ نحو 20 عاماً، والصواريخ الروسية موجهة اليوم نحو أعالي البحار، والأمة ليست في حال ركود اقتصادي.
«تخفيض التصنيف» هو عنوان الأسبوع الحالي. ديوننا أصبحت من الدرجة ثانية إذا ما صدّقنا تصنيف وكالة «ستاندارد أند بورز». تبدو البلاد في مستنقع أزمة مالية لا نهاية لها، في ظل وجود حزبين يرفضان فكرة التعايش مع الأشكال المختلفة والمتقاطعة للحقيقة.
«خلال عقود كنا الرقم واحد بين القوى الاقتصادية في العالم، لكن تساؤلاً جدياً يطرح اليوم حول ما إذا كنا سنظل الأوائل»، قال ربغنيو برجنسكي، الذي شغل منصب مستشار الأمن القومي في إدارة جيمي جيمي كارتر، الرئيس الذي اشتهر بحديثه عن «أزمة الثقة» القومية. «أصدقاؤنا قلقون إزاء هذا الواقع لأن مستقبلهم يعتمد علينا. جيراننا الأقل صداقة ربما يرقصون فرحاً إزاء هذا الأمر، لكنهم أيضاً قلقون»، أضاف برجنسكي.
قبل 70 عاماً، ابتدع مؤسس مجلة «تايم» هنري لوس فكرة «القرن الأميركي». استخدم هذا المصطلح بشكل أيديولوجي، لكنه لم يعكس شعور أولئك الخائفين، بقدر ما عكس شعور أولئك الذين احتفوا بالسيطرة الأميركية على العالم… اليوم ثمة كتب تتحدث عن عصر ما بعد أميركا.
ثمة كتابات لسياسيين جمهوريين تتضمن هجمات على الرئيس باراك أوباما، متهمة إياه بأنه لا يؤمن بـ«الفرادة الأميركية»، تلك الفكرة التي ما زالت توجه الولايات المتحدة. في كتابه «لا اعتذار: فلنؤمن بأميركا» كتب المرشح الجمهوري للرئاسة الأميركية ميت رومني إن أوباما يؤمن بأن انحدار أميركا أمر لا مفر منه، وأن «مهمته هي إدارة هذا الانحدار، والانتقال إلى مرحلة ما بعد القوة العظمى بأكثر قدر من السلاسة، ومساعدة الأميركيين على التكيف مع واقعهم الجديد».
وبعد سلسلة من الانتقادات، أصبح أوباما أكثر تشدداً في الحديث عن الدور المميز الذي يمكن لأميركا أن تقوم به في العالم، ففي خطابه حول حال الاتحاد، تحدث أوباما عن الحاجة إلى «الحفاظ على القيادة التي جعلت أميركا ليس مجرّد بقعة على الخريطة، وإنما منارة العالم».
الاثنين الماضي، سعى أوباما لطمأنه الأميركيين بأن تخفيض تصنيف الدين لا يعني تراجعاً إلى الدرجة الثانية، لكن كلماته تلك لم تسعف الأسواق، ولهذا فقد قابل الجمهوريون خطابه بكثير من السخرية.
لم تكن الولايات المتحدة أغنى بلد في العالم فحسب، بل كانت الدولة الأكثر تأثيراً في تشكيل النظم الاقتصادية الدولية. ولهذا، يرى أستاذ الاقتصاد في جامعة «كارنيغي ميلون» البروفيسور آلان ميلتزر أن نفوذ الولايات المتحدة تراجع بشكل خطير في السنوات الأخيرة، متحسراً على العهد الذي كان باستطاعة أميركا أن تحشد التحالفات الدولية لتمرير اتفاقات التجارة الحرة. ويتساءل «كيف يمكنك أن تقول للناس ما ينبغي عليهم فعله بينما لا يمكنك أن تفعل الأشياء الصحيحة لنفسك؟»، ويضيف «لقد ولى زمن قيادتكم!».
في المقابل، يحذر الأستاذ في جامعة «هارفرد»، ومؤلف كتاب «مستقبل القوى»، جوزيف ناي، من الاستنتاجات السريعة بشأن تراجع أميركا، قائلاً «سمعنا الكثير من البدع في الماضي… بعد برنامج سبوتنيك، أصبح السوفيات بطول عشرة أقدام… في الثمانينيات أصبحت اليابان بطول عشرة أقدام… اليوم أتى الدور على الصين».

السابق
10 آلاف ليرة لحلّ مشكلة البناء.
التالي
عماد حب الله: الـداتا المستند عليها في القرار الاتهامي غير سليمة