هناك نائب "شاب" يتصرف على الشكل الآتي:
إذا قيل له "صدفة" إنك مدعوٌ للحضور إلى (مهرجان، إحتفال، محاضرة… إلخ)، أجاب: سأحضر بالتأكيد ولدي موقف سياسي غاية في الأهمية سأعلنه هناك. لذا، فلا بد من دعوة الصحافة كل الصحافة، وكذلك الإعلام، إضافة إلى أكبر عدد من المشاركين والفاعلين والوجهاء وكبار القوم، فالموقف كبيرٌ جدا وقد يُشكّل زلزالا على الساحة اللبنانية وربما العربية والإقليمية!
نهرع كما يهرع الجميع لنكون أول الحاضرين، وبعد طول انتظار يدخل "سعادته" متأخرا ساعتين، يجلس في الصف الأول في انتظار تقديمه، يعتلي خشبة المسرح بعد سيل من المدائح والترحيب… ساعة من الخطابة المكتوبة ولا موقف يذكر سوى ترداد لمواقف "الصقور" وكلماتهم، الجمهور تململ وأخذ "يدردش" في أحاديث جانبية، بعض كبار القوم انسحبوا لارتباطهم بمواعيد مسبقة، أهل الإعلام والصحافة أصيبوا "بالخيبة" فراحوا يهمسون بينهم "مشوار بلا طعمة"!… وبالطبع، فإنّ الموقف "المهم" لم يتصدر نشرات الأخبار، بل عمدت بعض القنوات إلى حذفه بعدما "طافت النشرة" ببعض الأخبار المهمة كحادث سير في منطقة "الدورة" مثلا!
لهذا النائب قماشةٌ فكرية نرجسية تندرج ضمن إطار التوهّم والخيال، فهو ممّن يظنّون أن عدم وضع "النظارات الطبية" يدل حصرا إلى النظر الثاقب، وأن هذا النظر (إن وجد) كفيلٌ أن يضعك في خانة الصقور، وبالتالي، فإن من الواجب عليه، ومن موقعه القيادي المفترض (ودائما ضمن الفكرة النرجسية)، أن يصافحك بأطراف أصابعه من دون النظر إليك ليرسخ في مخيلتك سمة التعالي بتلك النظرة العابرة التي تمتزج بعقدة مصطنعة ترتسم أبدا على مُحياه فتخلو صورته من البراءة في تجسيد هائل للزيف في رجل.
في رحلة البحث عن شخصيته الغامضة أخبرني بعض الأصدقاء أنّ "لسعادته" ماضيا غابرا يملأه حب التملّك والأنانية والتشاوف، وتسير في ركابه عوامل كثيرة جعلت منه شخصا بشخصيات متعددة، "فهو لم يدرك الطفولة واللعب"، يقول العارفون، لا حبا منه بالجد والاجتهاد والدراسة، إنما تحضيرا لاستعادة الزعامة المفقودة ما رتّب على الأم التي هيأته منذ نعومة أظفاره أن تفرض عليه (ومنذ عقده الأول) متابعة كاملة لنشرة الأخبار مانعة إياه من اللعب كأترابه!
بعد جولة "عابرة" على سيرة حياته وما رافقها من صولات وجولات، أيقنت أنه يعيش زعيما بلا زعامة، يظنّ برهة أنه من عليّة القوم أولئك الذين يأكلون من خبز الرعية الطازج ويرمون في أطباقهم الفتات، شعور الزعامة ذلك الذي يُمنّي النفس بسلام عابر، بكلام فارغ، بنزعة وصولية وبسمة مزيفة، فلا شيء في قاموسه لوجه الله، حتى الزكاة التي لا يجب أن تعرف شمالك ما أنفقت يمينك يجب أن تُصوّر وتنشر في وسائل الإعلام ليشاهدها القطيع!
ختاما، أكتب لك ما كتبته يوما لأحد الجبابرة من قبلك "تواضع يا ابن جلدتي، تواضع… فما من شجرة (مهما ارتفعت) لامست حدود الله، فلا تظنن أنك القدر وأنك المبتدأ والخبر وأنك المهدي المنتظر… فأنت واهمٌ واهمٌ واهمٌ!!

