من قال إن آخر سنوات عمرنا لا قلب ينبض في أعماقها؟ من قال إن الأحلام لا تتجوّل إلّا في شوارع الصبية؟ ومن قال إنّ الحياة لا تعطي الربيع إلا لشبابها؟
كلّها أقاويل، باتت واقعا، في ظلّ غياب العناية بمسنٍّ شيّبه الهمّ وأحناه الخوف.
إنّ القلب ينبض إذا توافر الدواء الشافي، الأحلام تستيقظ إذا أشرقت شمس العافية، والربيع يطلّ إذا أزيلت غيوم الإهمال. وليكون الشباب سيّد الحياة، لا بدّ من ضمان يخفي عيوب الشيخوخة ويمنحها الأمل نحو الاستمرارية.
وعدت الحكومات اللبنانية المواطن بالحماية الاجتماعية منذ العام 1965، ولكن "ع الوعد يا كمّون". منذ ذلك العام، ينتظر اللبنانيون تنفيذ مشروع ضمان الشيخوخة. في 9/12/2004 تمّ إقراره في مجلس الوزراء. وفي 25/11/2009 وضع على جدول أعمال الهيئة العامة لمجلس النواب، وأعلن رئيس مجلس النواب نبيه برّي إعادته إلى اللجان المشتركة لمناقشته مجددا. ثمّ انتقل النقاش الفعلي في شأن مشروع التقاعد والحماية الاجتماعية، من اللجنة النيابية الفرعية المنبثقة من اللجان المشتركة إلى لجنة ألّفها وزير العمل السابق بطرس حرب، وهذه الأخيرة تضمّ ممثلين عن العمّال وأصحاب العمل والدولة… وفي انتظار تطبيق هذا المشروع، يدفع مسنّ بلادنا الثمن، ويقع ضحية هذا الاستخفاف والاستهتار بقضية تؤمّن آخرته وتضمّد جروحه.
ما من أحد يستطيع العيش وحيدا، من دون أن يتّكئ على سند ماديّ، أو عاطفيّ، أو معنويّ. ويُعتبر ضمان الشيخوخة، في البلاد المتقدمة، هذا السند. تكمن أهميّته في الاستقرار النفسي والسلام الاجتماعي الذي يؤمّن للعامل وللأجير، من خلال المعاش التقاعدي والخدمات الطبية والاستشفائية. ويسهم ضمان الشيخوخة في تحقيق نقلة نوعية من خلال الانتقال من التعويضات إلى المعاشات والحماية الاجتماعية للمتقاعدين، إضافة إلى التوفيق بين ضرورة المحافظة على هامش مهمّ لدور الدولة الرعائي، وتضافر جهود الجميع ومساهمتهم في إنجاح هذه الخطوة. ثم إنّه يحرص على التوفيق بين قدرة الاقتصاد الوطني على تمويل تقديمات المشروع، ودور هذه التقديمات في دعم القدرة الشرائية الكفيلة بتعزيز الاقتصاد. من أجل ضغط الدّم والقلب، من أجل السكّري و"الكوليستيرول"، ترقّق العظام وسيلان الدّم… على المسنّ أن يشتري أدويته التي تكلّف أكثر من 200 ألف ليرة لبنانية، مرّتين في الشهر. فمن يؤمّن له الدّواء؟
لأنّ الأوضاع الاقتصادية سيئة، يهمل الأولاد آباءهم، فيمدّ هؤلاء أيديهم إلى الناس طالبين شفقتهم على أبواب الكنائس والمساجد، أو باحثين في القمامة عن فضلات يسدّون بها جوعهم. فمن المسؤول؟
هل يجوز في القرن الحادي والعشرين أن نشاهد مَن تعب وكدّ طوال حياته، مشردّا على الطريق؟ هل يجوز أن نشفق على اليد التي شقّقتها مصاعب الحياة، فنعطيها مالا، لأنها مُدّت لنا ترتجف من الخجل؟ وهل يجوز لنا أن نمرّ، من دون التّوقف ولو للحظة، أمام مسنٍّ يعمل في أكثر الأعمال مشقّة وإذلالا، لتأمين لقمة العيش لعائلته؟
هل نرضى أن نرى أهلنا مشرّدين، يعانون العوز، "يشحدون" الطبابة على أبواب المستشفيات أو متروكين في دور رعاية تفتقر إلى أدنى الشروط الصّحية؟ وعندما يأتي دورنا، هل نقبل أن نُعامَل، كما نعامِل المسنّين اليوم؟ ألن نشعر بالعار عندما يضطرّ أولادنا إلى رعايتنا وتحمّل أعباء معيشتنا؟
كلّها أسئلةٌ، نطرحها على المعنيين وعلى أنفسنا، لأنّ الجواب نحمله بأيدينا، والقرار يعود لنا. إلّا أنّ الإرادة المشتركة وتحمّل المسؤولية تنقصاننا. من واجبنا المطالبة. ومن واجبكم، أيّها المسؤولون، تلبية حاجاتنا. ولكي تكون تلبية النداء فورية، عليكم وضع أنفسكم مكاننا، لأنّكم لو لم تكونوا أغنياء، لكنتم زملاء المشرّدين.

