إحياء ذكرى النكبة الفلسطينية جاء مختلفا واستثنائيا وغير مسبوق هذا العام. فقد خرجت هذه المناسبة عن اطارها التقليدي والمألوف وعن مسارها السياسي لتتحول الى تظاهرات سارت نحو ثلاث جهات حدودية مع اسرائيل: الحدود الفلسطينية مع اسرائيل في الضفة وغزة، والحدود اللبنانية ـ الاسرائيلية عند نقطة «مارون الراس»، والحدود السورية ـ الاسرائيلية في هضبة الجولان المحتل عند نقطة «مجدل شمس». الحشود هذا العام كانت مختلفة في حجمها وطابعها الشبابي وفي روحيتها ومعنوياتها.
بدا واضحا ان الثورات العربية فعلت فعلها في رفع معنويات الفلسطينيين كـ «بارقة أمل وتغيير»، وشكلت مصدر إلهام لها في سلوك طريق الثورة ضد الاحتلال الاسرائيلي. كما ساهم اتفاق المصالحة بين فتح وحماس في تصويب المسار الفلسطيني ونقله من مسار صراع داخلي على السلطة الى مسار الصراع التاريخي مع اسرائيل…
وما حصل على الأرض وعلى الحدود مع اسرائيل أعطى الاشارة الأولى الى احتمال اندلاع انتفاضة فلسطينية شعبية ثالثة، وأعاد الاعتبار لمركزية القضية الفلسطينية في الوجدان العربي، خصوصا انها تقف عند مفترق طرق حاسم وعند منعطف الحل السياسي الذي، وبعد انهيار المفاوضات المباشرة، يمكن ان يأتي عن طريق الاعتراف الدولي بالدولة الفلسطينية لتصبح أمرا واقعا من دون اتفاق مع اسرائيل.
اسرائيل التي فوجئت بالثورات العربية ولم تتوقعها على المستوى السياسي ولا الاستخباراتي، فوجئت أمس الأول بما حدث على حدودها من ثلاث جهات في وقت واحد ولم تكن تتوقعه، وأكثر ما فاجأها الاختراق الذي حصل في الجولان وهو الأول من نوعه، اذ لم يسبق ان وصلت تظاهرة فلسطينية الى الجولان واخترقت سياجا حدوديا.
ومنذ اللحظة الأولى لاندلاع الصدامات كانت لإسرائيل نظرة مختلفة، فهي لم تضعها في اطار تظاهرات عفوية «بريئة» من قبل الفلسطينيين للفت أنظار العالم الى قضيتهم وإجباره على إيجاد حل نهائي لقضية الشعب الفلسطيني، وانما وضعتها في اطار «خطة منظمة وتحرك مبرمج تقف وراءه سورية وايران، وخلفيته المباشرة هي الأحداث الجارية في سورية لتحويل الأنظار عما يجري ولتصدير المشكلة من الداخل الى «الحدود»، وتوجيه رسالة الى اسرائيل والولايات المتحدة وكل من يهمه الأمر بأن الاستمرار في ممارسة ضغوط على سورية ونظامها وفي محاولات تقويض استقرارها، سيؤدي الى زعزعة الاستقرار في المنطقة.
تفيد تقارير اسرائيلية اعلامية ان حكومة نتنياهو كانت منعقدة لبحث زيارته الى واشنطن وما سيحمله من أفكار وخطاب سياسي، عندما انفجرت مسيرات فلسطينية عند نقاط الحدود مع اسرائيل في كل من قطاع غزة ولبنان وسورية، ووردتها تقارير أمنية وتقديرات أولية تفيد بان هذه المسيرات هي «نشاط منظم ومنسق قدمت فيه الحافلات في رحلات منظمة من المخيمات الفلسطينية في سورية ولبنان باتجاه الحدود، وبأن سورية وايران وحزب الله تقف مجتمعة وراء هذه الأحداث وهدفها هو إشعال الجبهة مع اسرائيل لحرف أنظار الرأي العام عما يجري في سورية من حركات احتجاجية وحالة قمع لها.
وهذا تقييم يتقاطع مع رأي جهات ديبلوماسية ترى انه «إذا كان الاميركيون يريدون تقليم أظافر الأسد وانتزاع تنازلات منه في الملفات الاقليمية التي تهمهم، عبر محاولة إغراقه في الرمال المتحركة للفوضى، فإن الرئيس السوري الذي يدرك ان أمن إسرائيل هو نقطة ضعف واشنطن قد يرى أنه من الأفضل، إذا استمرت الهجمة على نظامه ان يذهب الى المكان الأصلي للصراع، بدل الانزلاق الى ساحاته الجانبية والدخول في حالة استنزاف».

